رجل صعيدى حكايات رومانى مكرم 3
فتحت الجواب وعيني بتتحرك بين السطور بسرعة، والنـ . ـار بدأت تقيد في صدري من جديد. الجواب مكنش مجرد دعوى نفقة ولا مصاريف عيال زي ما كنت متوقع ومستعد.. الموضوع كان أكبر بكتير وصدمة جديدة مكنتش على البال.
حمايا وأهل مراتي، بعد ما عرفوا إن العفش رجع وإن الطـ . ـلاق مبقاش فيه رجعة، قرروا يلعبوا اللعبة الدنيئة للآخر. الجواب كان إعلان بدعوى “تمكين من شقة الزوجية” باعتبارها حاضنة للعيال، ومش بس كده.. ده كانوا رافعين قضية “تبديد منقولات زوجية” بيتهـ . ـموني فيها إني منزلتش العفش كامل، وإن فيه حاجات دهب ومبالغ مالية كانت في القائمة أنا استوليت عليها!
بصيت للمحضر وقلت له بصوت مكتوم من كتر الغيظ:
* “تمام يا فندم، علم وينفذ.. كتر خيرك.”
الراجل مشي، وأنا واقف في مكاني مش شايف قدامي. جوز أختي وقف جـ . ـنبى وبص في الجواب وقال بزهول:
* “إيه ده يا رومانى؟ الناس دول معندهمش ريحة الدين ولا الأصول؟ بقى بعد ما وديت لهم حاجتهـ . ـم باللوري لحد باب بيتهـ . ـم، يرفعوا قضية تبديد؟ والشقة اللي شقيت فيها برا وجوا عايزين ياخدوها بوضع اليد؟”
ضحكت بمرارة وقلت له:
* “الطمـ . ـع يعمي القلوب يا بو نسب. هما فكروا إنهم لما يلووا دراعي بالقانون والمحاكم، أنا هخـ . ـاف وأروح أتحايل عليهم وأوافق على شـ . ـروطهم القديمة وأكتب نص الشقة باسـ . ـمها.. بس هما لسه ميعرفوش رومانى مكرم كويس.”
دخلت البيت مأبّي، وحاولت مبيّنش أي حاجة قدام أمي عشان صحتها اللي يادوب بدأت ترد، لكن أمي بقلبها حست بيا. نادتني وقالت:
* “مالك يا ولد بطني؟ عينك فيها كلام واعـ . ـروعرق الصعيد شادد في جبينك.. في إيه تاني يا بني؟”
قعدت جـ . ـنبها وبوست إيدها وقلت لها بيقين:
* “مفيش أي حاجة واصل يا أمي، شوية ورق بخلصهم تبع الشغل في مصر، وراجع بكرا الصبح عشان ورايا كام مشوار لازم يخلصوا. إنتي بس ادعي لي.”
صليت الفجر وركبت أول قطر رايح على القاهرة. طول الطريق وأنا برتب أوراقي وعقلي شغال كأنه مكنة. أول ما وصلت، مروحتش الشقة، طلعت عل طول على مكتب “الأستاذ مدحت”، المحامي بتاعي وصاحب عمري اللي بيقعد معايا في الحتة.
دخلت عليه ورميت الجوابات على مكتبه:
* “شوف يا مدحت الفجر والافترا وصل بيهم لفين.”
مدحت قرا الورق وعينه وسعت:
* “يا نهار أبيض! تبديد وعايزين تمكين؟ دول ناوين على شـ . ـر يا رومانى.. بس هما غفلوا عن حاجة مهمة جداً.”
بصيت له وقلت له:
* “حاجة إيه؟”
مدحت ابتسـ . ـم وقال:
* “يوم ما نزلنا العفش باللوري، أنا قلت لك لازم نعمل محضر إثبات حالة في القسـ . ـم، ونخلي شيخ الحارة والشهود يوقعوا على كشف المنقولات كاملة وهي بتتحمل.. وإنت ساعتها صورت فيديو لكل حتة خشب وكل كرتونة وهي بتنزل قدام بيت حماك، وصورت أخوها وهو بيستلم وبيمضي للريس بتاع اللوري.. فاكر؟”
هنا الضحـ . ـكة ردت في وشي وقلت:
* “فاكر يا مدحت.. ده أنا مصور كل مسـ . ـمار بالصوت والصورة، والمنطقة كلها كانت واقفة شاهدة.”
مدحت ضـ . ـرب على المكتب وقال:
* “حلو قوي! الفيديو ده مع محضر إثبات الحالة وبون الاستلام اللي مضى عليه أخوها، يوديهم في داهية بتهـ . ـمـ . ـة البلاغ الكـ . ـاذب والافتراء.. إحنا هنقلب التربيزة عليهم في المحكمة. أما بخصوص الشقة والتمكين، فدي محتاجة نفس طويل شوية، لأن القانون بيحمي الحاضنة، بس إحنا عندنا ثغرة إن الشقة إيجار قانون جديد وليها مدة وهتنتهي، أو إننا نثبت إن عندك سكن بديل للعيال.”
قلت له بعزم:
* “أنا معنديش مشـ . ـكلة أدفع دم قلبي سكن بديل لعيالي، لكن الشقة دي بالذات، اللي اتقال لي فيها إن أمي متعتبهاش، مش هيدخلوها تاني لو على رقبتي!”
خرجت من عند المحامي وأنا حاسس إن ربنا معايا ومبيسبش صاحب الحق. نزلت الحتة، وأول ما رجلي داست الشارع، لقيت العيون كلها بتبص لي بنظرات مختلفة، ناس زعلانة عشان بيتي اللي اتخرب، وناس مستغربة من قسـ.ـوة قلب أهل مراتي.
وأنا ماشي، شفت الحاج فوزي قاعد قدام محله. أول ما شافني، شاور لي وجريت عليه:
* “عاش من شافك يا أستاذ رومانى.. حمد الله على السلامة يا بني.”
قعدت معاه وقلت له:
* “الله يسلمك يا حاج فوزي.. شوفت قعدة الحق اللي كنت جايبني ليها؟ شوفت أولاد الأصول عملوا إيه بعد ما مشيت؟”
الحاج فوزي هز راسه بخزي وقال:
* “والله يا بني أنا مكسوف منك، الحتة كلها بتتكلم على اللي عملوه. حماك نزل امبارح ومعاه ناس غريبة وكانوا بيعاينوا باب الشقة من برة وبيقولوا إنهم هيجيبوا قوة من المحكمة ويفتحوها ويقعدوا فيها.. الناس هنا كلها مستاءة من أسلوبهم.”
قلت له بنبرة حديد:
* “سيبهم يا حاج فوزي، خليهم يفرحوا بالورق اللي في إيديهم شوية.. القوانين فيها ألاعـ . ـيب كتير، بس الأصول ثابتة، وأنا مجهز لهم مفاجأة هتخليهم يلفوا حوالين نفسهم.”
وأنا قاعد مع الحاج فوزي، لقيت إخوات مراتي الاتنين داخلين الشارع، ومعاهم راجل غريب لابس بدلة، وماسـ . ـكين في إيديهم ورق وكأنهم بيستعرضوا قوتهـ . ـم قدام أهل المنطقة. أول ما شافوني قاعد، وقفوا على بعد خطوات، وواحد منهم بص لي بنظرة شمـ . ـاتة ورفع الورقة في الوش وقال بصوت عالي عشان الكل يسـ . ـمع:
* “أهو الباشا مشـ . ـرف في الحتة أهو! جهز نفسك بقى يا صعيدي، عشان الشقة دي هنفتحها بالقانون، وهتيجي تقف تتفرج علينا وإحنا بندخل أختنا وعيالها ورجلينا فوق رقبتك!”
الدم غلي في عروقي، وقمت وقفت والكل اتلم مستني المعركة اللي هتتحسـ . ـم دلوقتي.. يتبع..
الشارع كله اتكهرب في ثانية، والرجالة والجيران وقفوا على رجل، الكل مستني الشـ . ـرارة اللي هتقيد الحتة نـ . ـار. كلام الواد نزل على ودني زي السهم، وعرق الصعيد اللي في جبهتي نفر وبقى يغلي، بس في نفس اللحظة افتكرت كلام المحامي مدحت: “النفس الطويل، والثبات هو اللي بيجيب الحق.”
مسكت إيد الحاج فوزي اللي كان بيحاول يحوشني ويقولي: “استهدي بالله يا رومانى يا بني، دول عيال طايشة وعايزين يروك.”
أخدت نفس عميق، وخطيت خطوات واسعة وثابتة لحد ما بقيت واقف قدام إخوات مراتي بالظبط. الراجل اللي بالبدلة اللي معاهم رجع خطوة لورا لما شاف طولي وعيني اللي مفيهاش خـ . ـوف. بصيت للواد اللي اتكلم وقلت له بنبرة صوت واطية بس حـ . ـادة زي الموس:
* “الشقة دي شقايا، والشارع ده أنا عشت فيه عشـ . ـر سنين مرفوع الراس وعمري ما صغرت بحد. والقانون اللي بتتباها بيه في إيدك ده.. أنا بحترمه لأنه بيجيب حق المظلوم، بس حبل الكـ . ـذب قصير يا واد حمايا.”
أخوه الثاني اتدخل وقال بعنجرية: “كـ . ـذب إيه؟ إحنا رافعين قضية تبديد باللي سـ . ـرقته من دهب وحاجة أختنا، والتمكين مسافة أيام وهيطلع ونفتح الباب ده ورجلينا فوق رقبتك زي ما قالك.”
ضحكت بصوت عالي سَمع الشارع كله، وقلت لهم:
* “الدهب والحاجة؟ طيب يا رجالة الحتة، ويا حاج فوزي، إنتوا كبار ومسؤولين قدام ربنا عن شهادتكم.. الناس دول أنا رجعت لهم حاجتهـ . ـم في لوري لحد باب بيتهـ . ـم، وأخوهم الكبير مضى على ورق الاستلام، وكل مسـ . ـمار متصور فيديو بالصوت والصورة وهو بينزل. القضية اللي انتوا فرحانين بيها دي اسـ . ـمها في القانون ‘بلاغ كـ . ـاذب وافتراء’، والمحامي بتاعي جهز لكم المفاجأة اللي هتقلب السحـ .ـر على الساحـ . ـر، وهتخلي أبوكم الشيخ الكبير يقف قدام القاضي بتهـ . ـمـ . ـة التزوير.”
وشوشهم اتمسحت ضحكتها في ثانية، والراجل اللي بالبدلة اللي معاهم بصلهم وقال بوشوشة: “إنتوا مقلتوليش إن فيه فيديو ومحضر استلام!”
سبتهـ . ـم واقفين في نص الشارع زي التماثيل، ولفيت ضهري ورجعت قعدت مع الحاج فوزي، وقلت له:
* “شفت يا حاج فوزي؟ الغل والطمـ . ـع يعمي القلوب. هما فاكرين إن الصعيدي بيتهدد، وميعرفوش إن الصعيدي يمـ . ـوتولا يمس عرضه وأمه وسامته في وسط الناس.”
الحاج فوزي طبطب على كتفي وقال: “جدع يا بني، الراجل يبان وقت الشدة، وإنت وقفتك وقفة رجالة، والمنطقة كلها عارفة مين اللي صان ومين اللي خان.”
طلعت شقتي الفاضية، قعدت على الأرض في الصالة، وبقيت باصص للسقف.. الحيطان اللي كانت شايلة ضحك عيالي وصوت أمي وهي بتدعي لي، بقت باردة وفاضية. طلعت التليفون وكلمت مدحت المحامي، حكيت له على اللي حصل في الشارع.
مدحت قال لي بثقة:
* “ولا يهمك يا رومانى، بكرا أول جلسة في قضية التبديد، وأنا مجهز حوافظ المـ . ـستندات وفيها الفلاشة اللي عليها الفيديو، وبون الاستلام اللي عليه إمضاء أخوهم ومحضر القسـ . ـم. بكرا اللعبة هتنتهي رسـ . ـمياً في الجزء ده، والقاضي هيشوف الفجر اللي هما فيه. أما بالنسبة للتمكين، فـ أنا قدمت مستندات تثبت إنك موفر سكن بديل ومستعد تدفع قيمته الإيجارية عشان العيال، وده هيمنعهم من دخول الشقة دي بالذات.”
قفلت مع مدحت وأنا حاسس براحة، ونمت ليلتها في الشقة الفاضية على هدومي، والصبح بدري كنت واقف قدام باب المحكمة.
ساحة المحكمة كانت زحمة، ووسط الزحمة شفت حمايا وإخوات مراتي، ومعاهم مراتي.. كانت لابسة أسود في أسود، ووشها دبلان وتحت عينيها أسود، أول ما عيني جت في عينها، دارت وشها بسرعة وبقت تبص في الأرض.
أبوها كان واقف شادد ضهره وبيتكلم مع المحامي بتاعهم بثقة، لحد ما المنادي نادى على اسـ . ـمي واسـ . ـمها:
* “القضية رقم…. رومانى مكرم ضد…..”
دخلنا أوضة المداولة، ووقفنا قدام منصة القضاء. القاضي بص في الأوراق، وبص لحمايا وللمحامي بتاعهم وقال:
* “الدفاع عن المدعية بيقول إن الزوج بدد منقولات الزوجية واستولى على مبالغ مالية ودهب.. إيه ردك يا أستاذ رومانى؟”
مدحت المحامي بتاعي خطى خطوة للأمام بكل هيبة، وطلع المحفظة من شنطته وقال بصوت جهوري:
* “سيادة القاضي، معايا هنا حافظة مستندات تقلب الدعوى دي رأساً على عقب. معايا محضر إثبات حالة من قسـ . ـم الشـ . ـرطة بتاريخ تنزيل العفش، ومعايا بون استلام رسـ . ـمي ممضي من شقيق المدعية بالاستلام الكامل لكل محتويات القائمة بدون نقص مسـ . ـمار واحد، والأهم من ده.. معايا فلاشة عليها تصوير فيديو كامل وصوت وصورة لكل قطعة أثاث وكرتونة وهي بتنزل قدام بيت حما موكلي وبتتسلم لهم في يد طليقته وأهلها.”
القاضي بص للمـ . ـستندات بعناية، وطلب تشغيل الفيديو على الكمبيوتر الخاص بالمنصة. الغرفة كلها سكتت، وصوت الفيديو اشتغل وهو بيعرض العمال وهم بينزلوا العفش حتة حتة، وصوت أخوها وهو بيقول: “تمام يا ريس، حاجتنا كاملة.”
وجه القاضي نظرة صارمة وشديدة لحمايا ولمحاميهم، ونبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت ترعـ . ـب:
* “بقى انتوا جايين تتبلوا على الراجل وتزوروا في محاضر رسـ . ـمية؟ الحاجة واصلة لكم كاملة وجايين ترفعوا قضية تبديد؟”
حمايا وشه بقى أبيض كأنه لابس كفـ . ـن، وبدأ يتلعثم في الكلام: “يا سيادة القاضي.. إحنا.. أصل البنت.. والعيال..”
في اللحظة دي، مراتي مأدرتش تستحمل، صـ . ـرخت وسط القاعة وبكت بانهيار وبصت لأبوها وقالت: “مش قلت لكم بلاش؟ مش قلت لكم رومانى مبيسبش حقه؟ خربتوا بيتي وضيعتوا عيالي وضيعتوني معاكم!”
القاضي ضـ . ـرب بالشاكوش وقال بصوت هز القاعة:
* “حكمت المحكمة حضوريًا ببراءة المتهـ . ـم رومانى مكرم من التهـ . ـمـ . ـة المنسوبة إليه، وتحويل أوراق الدعوى للنيابة العامة للتحقيق مع المدعين بتهـ . ـمـ . ـة البلاغ الكـ . ـاذب والتزوير والافتراء!”
خرجـ . ـنا من القاعة، وأنا راسي في السـ . ـما، ومدحت بيطبطب على كتفي وبيضحك. حمايا وإخواتها كانوا واقفين برة مصدومين والمحامي بتاعهم عمال يزعق فيهم ويقولهم: “وديتونا في داهية!”
وأنا ماشي وخارج من باب المحكمة، لقيت إيد بتشدني من جاكت البدلة.. لفيت، لقيتها مراتي، دمـ . ـوعها مغرقة وشها، والكسـ . ـرة اللي كانت في عين أمي من أسبوعين، شفتها أضعاف في عينها دلوقتي. وقفت قدامي وقالت بصوت مكسور ومبحوح:
* “عشان خاطر العشـ . ـرة يا رومانى.. عشان خاطر ولادك، أنا مستعدة أعمل أي حاجة، بلاش تحبس أبويا وإخواتي، وبلاش تضيعني.. أنا ماليش ذنـ . ـب، هما اللي مشوني وراهم.”
بصيت لها ونظرتي كانت خالية من أي مشاعر، وقلت لها الكلمة اللي هتحدد مصير كل اللي جاي.. يتبع في الجزء الأخير..
وقفت قدامها، والشارع والمحكمة والدنيا كلها حوالينا اختفت، ومبقاش في عيني غير صورتها وهي واقفة مكسورة؛ نفس الكسـ . ـرة اللي حطتها هي وأهلها في قلب أمي الست الكبيرة الطيبة من أسبوعين، بس الدنيا دارت بسرعة والكسـ . ـر رجع لصحابه، والباغي تدور عليه الدوائر.
بصيت في عينيها اللي مليانة ندم ودمـ . ـوع، وقلت لها بصوت راسخ زي جبال الصعيد، هادي بس بيقطع زي السيف:
* “العشـ . ـرة؟ إنتي عرفتي معنى العشـ . ـرة عشان تتكلمي عنها؟ العشـ . ـرة دي هي اللي كانت بتخلي أمي تصحى من النجمة عشان تخبز لك وتخدمك وتريحك، وإنتي رديتيها بـ ‘ما تدخلش بيتنا تاني’. وعشان خاطر ولادي، ولادي راسهم مرفوعة لأن أبوهم مركبش العار ولا وافق على إهانـ . ـة أمه. أما بخصوص أبوكي وإخواتك.. فاللي يمد إيده بالشـ . ـر ويتبلى على الناس بالباطل، لازم يتحمل نتيجة فجر خصومته. أنا مش هتنازل عن المحضر، والقانون هياخد مجراه.”
سيبت إيدها بتترعش في الهوا، ومشيت خطوتين لورا، وبصيت لحمايا وإخواتها اللي كانوا واقفين على بعد خطوات والخـ . ـوف واكل قلوبهم بعد ما عرفوا إن رجليهم عتبت باب الحبس بتهـ . ـمـ . ـة التزوير والبلاغ الكـ . ـاذب. قلت لهم والكل سامع:
* “شقا عمري وعرق جبيني خط أحمر، وأمي خط أحمر أطول من رقابكم.. إنتوا افتكرتوا إنكم لما تلووا دراعي بالعيال والقانون هطاطي؛ مكنتوش تعرفوا إن الصعيدي يقطع دراعه ولا يتلويش، والبيت اللي يتبني على طمـ . ـع، يتهد على دماغ أصحابه.”
سبتهـ . ـم وخرجت من باب المحكمة، الهوا برة كان نضيف وحاسس بنصرة ربنا ليا في كل خطوة. ركبت أول قطر وراجعت نفسي على الصعيد.
وصلت البيت على المغارب، الشمس كانت بتغيب وبتسيب وراها سـ . ـما صافية. دخلت المندرة، لقيت أمي قاعدة على مصلايتها بتدعي، وأختي وجوزها حواليها. أول ما شافتني، وشها نور، وقامت وقفت على رجليها وصحتها ردت فيها لما شافت ضحكتي وراسي المرفوعة.
قربت منها، نزلت على ركبي وحطيت راسي في حجرها، وخدت إيدها الاتنين بوستهـ . ـم وقلت لها:
* “بركتك ودعوتك يا أمي هما اللي نصروني. ولدك رجع وراسه في السـ . ـما، وبراءة من كل تهـ . ـمـ . ـة، والحق ظهر والكل عرف مقامه.”
أمي دمعت وطبطبت على راسي وقالت:
* “الحمد لله يا بني إن ربنا نصرك وظلـ . ـمكش، بس يا رومانى يا بني.. العيال.. قلبي واكلني عليهم.”
* “العيال في حفظ الله وصيانتهـ . ـم يا أمي”.. قلت لها بيقين: “أنا مأجرت لهم شقة تانية في مكان نضيف، ومصاريفهم وحقهم هيوصلهم بالمليم، وهيطلعوا رجالة وبنات أصول، وهعلمهم إن الجدة والأم هما البركة اللي من غيرهم البيت يتهد وميبقاش ليه عمار.”
مرت الأيام، والمحكمة حكمت بحبس حمايا وإخوات مراتي مع إيقاف التنفيذ بعد ما المحامي بتاعي وافق على الصلح في آخر لحظة مش خـ . ـوفاً منهم، ولا شـ . ـراءً لخاطرهم، لكن عشان ولادي ميبقاش في عينهم كسـ . ـرة إن جدهم وإخوالهم محبـ . ـوسين بسبب أبوهم. طليقتي فضلت في بيت أهلها مكسورة، تندم على اليوم اللي سـ . ـمعت فيه كلام الشحن والغل، وتعرف إن البيت اللي كان صاينها بالحب والعشـ . ـرة، مبيتعوضش بمال ولا بقائمة.
وأنا قفلت الشقة القديمة، الشقة اللي شهدت أحلى أيام عمري وأصعبها، وأخدت أمي وعيشتها معايا، وبقى بيتي منور بحسها وبركتها ودعوتها اللي بتفتح لي كل الأبواب المقفولة.
### 💡 الحكمة من وراء الحكاية:
إن البيوت لا تُبنى على القوانين والمحاكم والقوائم، بل تُبنى على **الأصل، والعشـ . ـرة، والبركة**.
* **الأم خط أحمر:** الست اللي شقيت وربت وصنعت منك راجل، هي باب الجـ . ـنة وبركة العمر، والبيت اللي يشترط صاحبه على طـ . ـرد الأم أو كسـ . ـر خاطرها، هو بيت منزوع البركة ولا يستحق العمار.
* **الأصل مبيتشتريش بفلوس:** بنت الأصول هي اللي تصون سر جوزها وتحترم أهله وتكون سند ليه في الشدة، مش اللي تفتح ودانها لكلام الشحن والغل والتحدي اللي يخرب البيوت العامرة.
* **اتقِ شـ . ـر الحليم إذا غضـ . ـب:** الراجل الصاين لبيته وعياله مش معنى كده إنه ضعيـ . ـف؛ الراجل الحقيقي بيتحمل ويصبر عشان العشـ . ـرة، لكن وقت ما الكرامة والأصل يتمسوا، بيتحول لجبل ميهزهوش ريح، ويبيع الغالي بالرخيص لو كان الثمن كسـ . ـر نفسه وأهله.
تأليف: #الكاتب_رومانى_مكرم