بعد 4 سنين من هروبى حكايات نور محمد 2
التاكسي كان بيتحرك بسرعة مرعبة في طريق صحراوي ضلمة، ومفيش حوالينا غير أعمدة النور المطفية. تيا في حـ,ـضني كانت بتئن بصوت مكتوم، وكل ثانية بتعدي، حرارتها بتزيد وجسمها بيتخشب أكتر. السم اللي سلمى كانت بتهرسهولها في الأكل بقاله شهور كان بينهش في أعضائها الضعيفة.
بصيت لقفى السواق وصرخت فيه وأنا بدمع:
– “أنت واخدنا على فين؟! اقف هنا.. اقف بقولك!”
السواق ماردش عليا، فضل باصص قدامه بجمود كأنه آلة مبرمجة، وزود سرعة العربية أكتر. حاولت أفتح باب التاكسي وأنا شايلا تيا، بس لقيت الأبواب كلها مقفولة بـ “السنتر لوك” والزجاج مبيفتحش. كنت محبوسة في تابوت متحرك رايح بيا لرجل عاصم الجبالي.
موبايلي رن في إيدي.. كان نفس الرقم المجهول. فتحت الخط بسرعة وجاتلي بحة صراخ:
– “عاصم! بنتي بتمـ,ـوت في إيدي.. أرجوك إديني الترياق وأنا هعملك اللي أنت عايزه!”
صوت عاصم جه عبر السماعة، بس المرة دي مكنش بيضحك، صوته كان فحيح مرعب ومليان غل، وصوت أنفاسه المكتومة باين فيها الوجع من ضـ,ـربة الفـ,ـازة:
– “أنتِ اللي اخترتي اللعب الدِشمل يا هانم.. خبطتك دي تمنها غالي قوي. السواق هيجيبك لحد عندي في المخرن القديم بتاع المحاصيل.. هتمضي على ورق التنازل، والعملية هتتعمل لـ تيا غصب عنك، بس الفرق المرة دي.. إنك مش هتخرجي صاحية عشان تبلغي عننا.”
قفل السكة في وشي. الدنيا اسودت في عيني. بصيت لـ تيا اللي بدأت شفايفها تبيض، وقولت لنفسي: “لو استسلمت، تيا هتمـ,ـوت أو هتعيش مشلولة حقل تجارب، وأنا هتمحي من الدنيا.”
لمحت في أرضية التاكسي ورا، جنب رجلي، “كوريك” حديد بتاع تغيير الكاوتش، السواق كان راميه ورا الكرسي بتاعه. نزلت الأرض براحة وأنا ساندة تيا بـ إيد واحدة، ومديت إيدي التانية وسحبت الكوريك الحديد التقيل.
جمعت كل ذرة قوة وطاقة غضب جوايا، ورفعت الكوريك وبأقصى عزم عندي، ضـ,ـربت بيه زجاج الباب الجانبي للتاكسي. الزجاج اتهشم ووقع منه حتت، بس منهارش كله لأنه فاميه. السواق اتهز وبص وراه برعب وصرخ: “أنتِ بتعملي إيه يا مجنونة!”
وقبل ما يستوعب، دبت الكوريك تاني في الزجاج لحد ما اتكسر تماماً والهوا الشديد دخل العربية. السواق حاول يملص بالعربية يمين وشمال عشان يخليني أقع، بس أنا ثبت نفسي، وحطيت الكوريك على رقبة السواق من ورا الكرسي، وضغطت بكل قوتي وخنقته:
– “اقف.. اقف وإلا هكسر رقبتك، إحنا كده كده ميتين!”
السواق حبل أفكاره اتشتت، وعينيه جحظت من الخنق، وفقد السيطرة على الدريكسيون. العربية بدأت تترنح بعنف على الطريق السريع، ولفت حوالين نفسها مرتين وهي بتزحف على الأسفلت، لحد ما خبطت في الرصيف الخرساني وقفت فجأة.
راسي خبطت في الكرسي القدامي، بس محستش بالوجع. أول حاجة عملتها بصيت على تيا، كانت لسه في حضـ,ـني والبطانية حامياها، بس غايبة عن الوعي تماماً. السواق راسه وقعت على الدريكسيون وأغمى عليه من الصدمة والخبطة.
زحفت بسرعة وخرجت من شباك الباب المكسور، وشديت تيا ورايا. الجو بره كان هوا ساقع وسكوت تام. كنا في نص طريق العين السخنة القديم، ومفيش أي عربية معدية.
شيلت تيا وبدأت أجري على رجلي في الضلمة، مش عارفة رايحة فين، بس كل اللي ف بالي إني أبعد عن العربية قبل ما عاصم يوصل، لأن أكيد التاكسي فيه جهاز تتبع (GPS).
بعد حوالي عشر دقائق من الجري والنهج، لمحت من بعيد أضواء كشافات عربية جاية من ورايا.. بس الصدمة إن العربية كانت جاية ببطء، وكأنها بتدور على حاجة. لما قربت، عرفت الموديل.. دي عربية عاصم الجبالي السودا!
قلبي سقط في رجلي. لمحت على جانب الطريق منزل مهجور أو استراحة قديمة مهدومة ومفتوحة. جريت واستخبيت ورا سور من الطوب الأحمر المهدوم، وكتمت بق تيا بـ إيدي عشان لو أنتها تطلع ميتسمعش.
العربية السودا وقفت بالظبط قدام الحتة اللي أنا مستخبية فيها. الباب اتفتح، ونزل منه عاصم وهو ساند على عصايه، وجبهته متغطية بالشاش الأبيض، وجنبه نزلت سلمى وهي ماسكة كشاف كبير وبتوجهه يمين وشمال.
سلمى بصت لعاصم وقالت بصوت مليان حقد:
– “عاصم.. العربية بتاعة التاكسي مقلوبة على بعد كيلو من هنا، أكيد هي مستخبية قريب.. مش هتكون جريت بالبنت كل ده.”
عاصم رفع المسدس الكاتم للصوت، وبدأ يتحرك برجل ثقيلة ناحية البيت المهجور اللي أنا فيه، وقال بصوت جهوري هز المكان:
– “أنا عارف إنك سامعاني يا… تيا بتمـ,ـوت، فاضل أقل من ربع ساعة والسم هيروش على مخها ويمـ,ـوتها سكتة دماغية. اطلعي وخذي الترياق، أو خليكي مستخبية واخرجي بيها جـ,ـثة!”
خطوات رجله كانت بتقرب من السور اللي وراه.. كنت سامعة صوت الحصى وهو بيتحطم تحت جزمته. تيا في حـ,ـضني بدأت تتشنج تشنج عنيف، وجسمها كله بيترعش.. الوقت خلص، والسم بدأ يوصل للمرحلة الأخيرة!
وفي اللحظة اللي عاصم وجه فيها الكشاف على السور بتاعي وخلاص هيشوفني.. لمحت حاجة تحت رجلي في الطين، تخليني أغير اللعبة كلها.
ضوء الكشاف كان بيقرب من السور بسرعة، وقلبي كان بيدق لدرجة حسيت إن عاصم هيسمع دقاته. تيا في حـ,ـضني كانت بتتشنج بجسمها الصغير كله، وعينيها مقلوبة لفوق.. البنت بتضيع مني فعلاً، والثواني بتفرق بين الحياة والمـ,ـوت.
في اللحظة دي، وأنا باصة في الأرض برعب، لمحت تحت رجلي “سرنجة” طبية ملقحة في الطين، شكلها كان بتاع حد من العمال أو علبة إسعافات قديمة مفرومة وسط الردم، والسن بتاعها كان مكشوف وبيلمع تحت ضوء الكشاف اللي جاي عليا.
من غير ما أفكر، وبحركة انتـ,ـحارية، سحبت السرنجة بغل، وفي نفس الثانية اللي كشاف عاصم نور وشي تماماً وبانت ابتسامة الانتصار المقرفة على بقه وهو بيرفع المسدس:
– “لقيتك يا حلوة.. سلمي البنت بقا بدل ما…”
قبل ما يكمل كلمته، رميت نفسي لقدام بكل قوتي وغرزت سن السرنجة في ركبته المصابة اللي كان ساند عليها. عاصم صرخ صرخة مكتومة هدت حيله، والمسدس طار من إيده وهو بيقع على الأرض ماسك رجله بوجع جنوني.
سلمى صرخت برعب: “عاصم!!” وجريت عليه، وفي اللحظة دي أنا ملمحتش المسدس فين في الضلمة، بس لمحت حاجة أهم.. مفتاح عربية عاصم الجبالي كان واقع من جيبه على الأرض وهو بيقع.
مديت إيدي بسرعة البرق، خطفت المفتاح، وشيلت تيا اللي كانت شَبَه غايبة عن الوعي وجريت بأقصى سرعة عندي ناحية عربيتهم المرسيدس السودا اللي كانت دايرة وعلى بعد خطوات.
سلمى لفت وشها وشافتني وأنا بفتح باب العربية، جريت عليا وهي بتزعق وزي المجنونة: “مش هتمشي! هاتي البنت!”.. حاولت تمسكني من شعري وأنا بركب، بس ضـ,ـربت باب العربية بكل قوتي على إيدها، سمعت صوت صراخها وهي بتقع ورايا.
قفلت الباب، وبإيد بترعش جبت الغيار ودست بنزين لأخر الدواسة. العربية طلعت بتفحيت مرعب في الرملة والأسفلت، وبصيت في المراية لقيت عاصم بيحاول يقوم وهو بيعرج وسلمى ماسكة إيدها وبتعيط ورايا في الضلمة.
كنت سايقة وزي المجنونة في طريق السخنة، وتيا جنبي على الكرسي، ملامحها بدأت تزرق وضوافرها بقت زرقا خالص.. التشنج وقف، بس التنفس بدأ يقل. صرخت بأعلى صوتي جوه العربية: “يارب.. يارب متحرمنيش منها!”
بدأت أدور في تابلت العربية وفي التابلوه زي المجنونة.. عاصم قال إن الترياق معاه. فتحت الدرج اللي قدام الكرسي، لقيت ورق، مسدس تاني، وأكياس قماش.. بس في النص، كان فيه علبة قطيفة طبية صغيرة.
فتحتها بإيد واحدة وأنا سايقة.. لقيت جواها “أمبولين” زجاج شفاف فيهم سائل مائل للزراق، ومعاهم سرنجة جديدة متغلفة. مكنش فيه أي كتابة على الأمبول، بس افتكرت كلام المدير لما قال إن السم مائل للخضار والترياق مصمم مخصوص عشان يعطل مفعوله.
وقفت العربية على جنب الطريق فجأة. مسكت الأمبول، وكسرت رقبته، وسحبت السائل بالسرنجة وإيديا بتهتز لدرجة إن السن كان هيتكسر. لفيت لـ تيا، وشمرت كم كمها الصغير.. كنت مرعوبة، أنا مش دكتورة، بس مفيش خيار تاني.. يا إما حقنة تنقذها، يا إما السم هينهي حياتها حالا.
غمضت عيني، وسميت، وغرزت السن في وريد دراعها الصغير الصافي، وحقنت السائل بالراحة وأنا ببكي وبقول: “فداكي عمري يا تيا.. عيشي عشان خاطري.”
شيلت السرنجة، وقعدت جنبها وأنا حاطة إيدي على قلبها.. دقيقة.. دقيقتين.. مفيش أي رد فعل، البنت لسه زرقا ومبتتنفسش غير بالعافية. انهرت تماماً ودفـ,ـنت وشي في صدرها وأنا بنتحب.
وفجأة.. تيا أخدت نفس طويل وعميق كأنها كانت غرقانة وطلعت لسطح الميه، وبدأت تكح بعنف وتجيب ميه صفراء من بؤها. لون وشها بدأ يرجع طبيعي، وفتحت عينيها بتعب وبصتلي: “مامي.. أنا عطشانة قوي، وجسمي مبقاش بيوجعني.”
حضـ,ـنتها وأنا مش مصدقة، كنت بضحك وبعيط في نفس الوقت، ربنا كتبلها عمر جديد.
أخدت نفسي، وقولت خلاص الكابوس خلص وهطلع على أقرب نقطة شرطة.. بس وأنا بلف الدريكسيون عشان أرجع للطريق، شاشة المرسيدس الذكية اللي في النص نورت لوحدها، واشتغل فيها نظام الاتصال الداخلي (الانتركام) بتاع البيت.. وصوت عاصم الجبالي طلع من سماعات العربية، بس المرة دي صوته كان هادي جداً، وهدوءه ده رعبني أكتر من صراخه:
– “مبروك يا رانيا.. أنقذتي البنت بالترياق.. أنا اللي كنت سايبه في الدرج وعارف إنك هتلاقيه، عشان أنا مش عايز تيا تمـ,ـوت دلوقتي.. أنا عايز نخاعها وهو حي وصاحي.”
جسمي قشعر.. عاصم كمل كلامه وببرود قـ,ـاتل:
– “إنتي فاكرة إنك هتروحي البوليس؟ تابلت العربية ده متوصل بـ سيستم الشركة عندي، وأنا لسه رافع فيديو حالا على كل المواقع، ومقدم بلاغ للنائب العام.. بتهمك فيه إنك خطفتي بنتي ‘تيا عاصم الجبالي’ من المستشفى، وحقنتيها بمادة مجهولة، ومعايا شهادة سلمى أختك والدكاترة.. إنتي دلوقتي مطلوبة أمنياً كـ ‘خاطفة ومجرمة’ ومفيش حتة في مصر هتحميكي.. وخلال ساعة بالظبط، العربية اللي إنتي راكباها دي هتفصل محركاتها بالتحكم عن بُعد في المكان اللي أنا هحدده.. وهتلاقي نفسك محاصرة!”
بصيت للشاشة برعب، ولقيت فعلاً عداد تنازلي ظهر على شاشة العربية: (المحرك سيتوقف بعد: 14:59 دقيقة).
الطريق قدامي ضلمة، والشرطة بتدور عليا بتهمة خطف بنتي، والعربية هتقف بيا في مقـ,ـطوعة بعد ربع ساعة.. وعاصم وسلمى جـ,ـايين ورايا!