مرات ابويا بعتتلي رساله حكايات صافي هاني
مرات أبويا بعتتلي رسالة بتقولي إني مش مرحب بيا في فندقنا الخمس نجوم. فتحت اللابتوب بتاعي ولغيت صلاحية دخول عيلتها كلها. بعدها بدقايق، كروت السبا بتاعتهم وقفت وهم في نص المساج. وفي اللحظة دي بس، استوعبوا مين صاحب الليلة دي كلها…
الرسالة وصلتني وأنا واقفة في الريسبشن بتاع قرية “المصطبة” في الساحل، وبراقب المطر الخفيف وهو نازل على الواجهات الزجاجية للفندق اللي جدي بناه من الصفر. “إنتي مش مرحب بيكي في الفندق بتاعنا. بلاش حركات بيئة وتحرجينا وتيجي.”
الرسالة كانت من مرات أبويا، ميرفت الشربيني. وبعدها على طول وصلتني رسالة تانية: “الويكند ده للعيلة الحقيقية بس. وأبوكي موافق على الكلام ده.” فضلت باصة للكلام كام ثانية، مش عشان متفاجئة، بس لأن الأسلوب ده شبه ميرفت بالملي. قسوة شياكة، علامات ترقيم مظبوطة، ومن غير أي إحساس بالذنب.
أبويا، الحاج كامل، اتجوزها وأنا عندي ستاشر سنة. على ما تميت سبعتاشر بقيت في نظرهم “دماغها ناشفة ومتعبّية”. وعلى عشرين سنة بقيت “مش واجهة تشرف ومبتعرفش تلبس براندات”. ولما وصلت تسعة وعشرين سنة، وبعد ما بطلت أتحايل عليهم عشان يقبلوني وسطهم، بقيت حرفياً هوا بالنسبة لهم، ومبيفتكرونيش إلا لو محتاجين واسطة، أو علاقات، أو مصلحة.
الويكند ده، كانوا حاجزين الجناح الملكي في القرية عشان عيد ميلاد ميرفت. بناتها، شيري وهايدي، من الصبح نازلين صور سيلفي بالعصير على البيسين والانستجرام مقلوب.
الحاجة بقى اللي ميعرفوهاش، إن مجموعة الفنادق دي مبقتش تحت إدارة أبويا خلاص.
المكان بقى بتاعي أنا وتحت سيطرتي.
جدي، الحاج منير، كان كاتب الشغل كله في مجلس إدارة عائلي. ولسنين طويلة، أبويا كان شغال رئيس مجلس الإدارة التنفيذي، وكان بيتعامل مع الفنادق دي كأنها عزبة خاصة لمراته الجديدة وبناتها. بس من تلات شهور، بعد مراجعة حسابات داخلية كشفت بلاوي.. مصاريف مش مدفوعة، وتدبيس غرف من غير إذن، وشكاوي من الموظفين ضد عيلة الشربيني، مجلس الإدارة سحب منه الإدارة.
ومن أول يوم الإثنين، بقيت أنا رئيس مجلس الإدارة المؤقت للمجموعة كلها.
فتحت اللابتوب بتاعي على مكتب المدير في الريسبشن.
مديرة الفندق، نرمين، كانت واقفة جنبي ساكتة ومستنية الإشارة.
سألتني: “إنتي متأكدة يا جولييت؟”
بصيت لرسالة ميرفت تاني.
وبعدها كتبت أمر الإلغاء على السيستم العام بتاع الفنادق كلها:
“تنبيه لجميع الفروع: يُلغى فوراً الدخول المجاني الخاص بعائلة الشربيني. تُعلق جميع امتيازات النزلاء، ودخول السبا، وترقيات الأجنحة، وحسابات المطاعم، وكروت الغرف المخصصة لرئيس مجلس الإدارة السابق كامل منير، لحين تسوية الحسابات والفواتير المتأخرة.”
ودوّست إنتر.
السيستم اتحدث في القرية كلها في أقل من دقيقة ونص.
الساعة 2:18 الظهر، كارت شيري وقف ومشتغلش وهي بتفتح دولاب السبا.
الساعة 2:21، جلسة المساج بتاعة هايدي انتهت فجأة لما تابلت البنت اللي بتعملها مساج ظهر عليه إن الأوضة حسابها واقف ومحتاجة تدفع كاش.
الساعة 2:26، كارت الأسانسير بتاع ميرفت مبقاش يفتح للجناح وهي واقفة بالبرنص وفي إيدها كاس عصير ليمون بالنعناع.
الساعة 2:31، أبويا اتصل.
سبت التليفون يرن مرتين.
وبعدين رديت.
صوته كان واطي ومكتوم من الغيظ.
قال: “جرى إيه يا جولييت؟ إنتي هببتي إيه في الفندق؟”
بصيت لـ لوجو الفندق وهو منور برة.
ورديت عليه بكل برود: “عملت اللي إنت علمتهولي يا بابا.. أنا اللي قررت مين اللي ليه مكان هنا ومين ملوش.”
أبويا سكت لثواني، الصدمة كانت لجمة لسانه، بس بعدها صوته طلع زي الفحيح: “إنتي اتجننتي يا بت؟ طردتي ميرفت والبنات برة الجناح؟ إنتي عارفة أنا مين؟ أنا أبوكي اللي عملتك!”
ضحكت في سري بكل برود ورديت: “كنت عملتني يا حاج كامل.. أنت كنت رئيس مجلس الإدارة، ودلوقتي بقيت (سابق). والفيلا اللي ميرفت هانم نايمة فيها دي، حسابها لسه مدفعش من تلات شهور، والسيستم مبيجاملش حد.”
”أنا جايملك حالا!”، قالها وقفل السكة في وشي.
نرمين، مديرة الفندق، بصتلي بقلق وقالت: “يا فندم، الحاج كامل زمانه قالب الدنيا برة، نطلب الأمن؟”
هزيت راسي ولفت اللابتوب ناحيتها: “لأ، سيبيه ييجي. بس اطلبي الأمن يقف عند بوابة الجناح الملكي، ومحدش من عيلة الشربيني يدخل ياخد قشاية واحدة من جوة غير لما يدفعوا الفواتير القديمة كاش.. أو شيك مقبول الدفع.”
بعد عشر دقايق بالظبط، باب مكتب الريسبشن اتفتح هبب.
دخلت ميرفت وهي بتعرج بفردة شبشب واحدة، والبرنص بتاع الفندق لسه عليها، ووراها بناتها شيري وهايدي بيعيطوا من الفضيحة، وفي الآخر دخل أبويا، الحاج كامل، وشه جايب ألوان من الغضب.
”إيه المسخرة اللي بتحصل دي؟” ميرفت زعقت وهي بتخبط على المكتب، “أنا يتقالي في نص المساج يا فندم حسابك واقف؟ أنا ميرفت الشربيني يتعمل معايا حركة بيئة زي دي في الفندق بتاعي؟”
بصيتلها من فوق لتحت وقولت بابتسامة مستفزة: “أولاً، الفندق ده بتاعي أنا.. ورث جدي منير الله يرحمه. ثانياً، الحركة البيئة هي إنك تقعدي في مكان وتأكلي وتشربي وتعملي مساج على قفا الشغالين ومبتدفعيش مليم.”
أبويا قرب عليا وعينه شرار: “جولييت! اخلصي وافتحي الأوض للبنات، وبلاش فضايح قدام الأجانب والموظفين، حسابنا هنصفيه في البيت.”
قمت وقفت، قفلت اللابتوب بتاعي، وبصيت في عينه بالظبط: “مفيش بيوت بتجمعنا يا حاج كامل.. أنت بعتني من عشر سنين عشان خاطرهم، والنهاردة الحساب بيتصفى هنا، في العلن. الفاتورة اللي على العيلة تمنمية وخمسين ألف جنيه.. تدفعوا، الكروت تشتغل والبرنص يفضل عليكم. مفيش دفع؟ الأمن برة مجهز الشنط، وتتفضلوا برة القرية كلها.”
ميرفت بصت لأبويا وهي بتصرخ: “شايف بنتك يا كامل؟ شايف بتعمل فينا إيه؟”
أبويا بص للارض، ومد إيده في جيبه وطلع المحفظة، بس ايديه كانت بترتعش.. وهو عارف كويس إن الفيزا بتاعته اتقفلت مع قرار مجلس الإدارة الصبح.
بصيتلهم ببرود وقولت للموظف اللي واقف: “يا ابني، اطلب الأمن يوصل الجماعة لحد البوابة الخارجية.. الجو برا بيمطر، خليهم يستنوا الميكروباص برة الأسوار.”
ميرفت اتسمرت مكانها وبقها اتفتح من الصدمة، وبناتها شيري وهايدي بدأوا يلطموا بصوت واطي من الفضيحة وسط الريسبشن والنزلاء بيتفرجوا.
شيري قربت من أبويا وهي بتهزه من دراعه: “اتصرف يا بابي! إحنا هنقف على البوابة في المطر؟ الفستان اللي عليا ده لو جاله نقطة مية هيبوظ!”
أبويا بصلي وعينه فيها رجاء داراه بغرور مكسور: “جولييت، عيب كدا.. أنا أبوكي، مهما كان مش هتهوني عليا ولا ههون عليكي، بلاش تكسري كبريائي قدام الغريب والقريب.”
رديت عليه وأنا بلبس النظارة الشمس ومسكت شنطتي: “أنت اللي كسرت كل حاجة يا بابا يوم ما بعتني بالرخيص. كبريائك ده كان المفروض تفتكره وأنت بتمضي على تنازل الإدارة، أو وأنت بتوافق على رسالة ميرفت هانم الصبح وهي بتقولي (الويكند ده للعيلة الحقيقية بس). أهو أنا بقى وريتكم العيلة الحقيقية بتعمل إيه لما تملك.”
ميرفت صرخت بأعلى صوتها: “أنتِ فاكرة نفسك مين؟ إحنا عيلة الشربيني! هخرب بيتك وبيان الفندق ده في كل القنوات والجرائد!”
التفت ليها وابتسمت: “اعملي اللي أنتِ عايزاه يا ميرفت، بس وأنتِ برة الأسوار. وقبل ما تنسي.. البرنص اللي أنتِ لابساه ده تمنه عجز في العهدة، اقلعيه هنا وسلميه للموظف، أو ادفعي تمنه خمسة آلاف جنيه كاش حالاً.”
أبويا صرخ: “جولييت! لحد هنا وكفاية!”
في اللحظة دي، أربعة من رجال الأمن طول بعرض وقفوا وراهم بناءً على إشارة من نرمين. رئيس الأمن قرب بكل أدب وقال: “يا فندم، اتفضلوا معانا من غير شوشرة عشان م نضطرش نطلب شرطة السياحة بتهمة النصب وعدم دفع الفواتير.”
أبويا بص للأرض، وجر ميرفت من إيدها وهي بتزعق وتسب وتلعن بفردة شبشب واحدة، ووراهم شيري وهايدي بيجروا فساتينهم ومكسورين كسر عمرهم ما شافوه في حياتهم.
وقفت عند الواجهة الزجاجية، وبصيت عليهم وهم خارجين من البوابة الرئيسية تحت المطر، والشنط بتترمى وراهم في الطين.
نرمين قربت مني وقالت وهي مبتسمة: “الجناح الملكي فضي يا فندم، تحبي نجهزه لحضرتك؟”
بصيت للمطر وهو بيغسل الفندق، وأنفاسي هديت لأول مرة من سنين طويلة، وقولت: “لأ يا نرمين.. جهزيه لأي نزيل يدفع تمنه ويحترم المكان. أنا مكاني من النهاردة فوق.. في مكتب رئيس مجلس الإدارة.”
قعدت على كرسي المكتب الكبير، وحطيت رجل على رجل وأنا بتنفس براحة لأول مرة من ستاشر سنة. السكوت اللي في المكان كان مريح، مفيش صوت غير خبط المطر الخفيف على الإزاز.
دقيقتين بالظبط، وتليفون المكتب رن. رفعت السماعة: “أيوا يا نرمين؟”
صوت نرمين كان جاي وفيه نبرة ذهول: “يا فندم.. الحاج كامل وميرفت هانم لسه واقفين على البوابة برة في الطين والمطر، ومش عارفين يتحركوا لأن مفيش ولا عربية أوبر راضية تقبل الرحلة في الجو ده.. وبناتها شيري وهايدي قاعدين على الشنط وبيتخانقوا مع أفراد الأمن عشان يدخلوهم التندة.”
ابتسمت وقولت ببرود: “والأمن عمل إيه؟”
نرمين ضحكت بصوت واطي: “رئيس الأمن قايم بالواجب يا فندم، قالهم التعليمات واضحة، ممنوع أي حد مش نزيل يقف جوة حرم الفندق. بس الحاج كامل طالب يكلم حضرتك دقيقة واحدة.. بيقول ميرفت بتموت من السقعة بالبرنص.”
سكت ثواني، وكنت هقفل، بس قولت: “حولي الخط على الموبايل بتاعي يا نرمين.. واقفي اتفرجي عليهم من الشباك.”
مفيش ثانية والموبايل رن، فتحت الخط وسيبته هو اللي يتكلم.
صوت أبويا كان كأنه كبر عشرين سنة في دقايق، مكسور وفي نفس الوقت لسه فيه بقايا العند القديم: “جولييت.. ميرفت هانم هتموت من السقعة برة، والناس في الشارع بتتفرج علينا وبيرموا علينا طين بالعربيات.. مش عشان خاطري، عشان خاطر اسم عيلتك، بلاش الفضيحة دي وسط الناس.”
سندت ضهري على الكرسي وقولتله: “اسم عيلتي أنا؟ أنت نسيت اسم عيلتك يوم ما كتبت الفندق باسم ميرفت وبناتها في كل حتة؟ نسيت اسم عيلتك وأنت سايبهم يمصوا في دم الشغل لحد ما كنتوا هتعملوا إفلاس للمجموعة كلها؟”
أبويا اتنهد بصوت عالي: “أنا غلطت يا بنتي.. كنت مغمى عيني، بس مش لدرجة ترمينا في الشارع.”
في الخلفية، سمعت صوت ميرفت وهي بتصرخ بهستيريا: “قولها هنرفع قض*ية! قول للبت دي أنا هوديها في داهية! شبشبي ضاع في الطين يا كامل!”
ضحكت وقولت لأبويا: “سامع؟ لسه برضه مفيش فايدة فيها.. لسه فاكرة نفسها هانم.”
أبويا زعق فيها وقالها: “اخرسي بقى يخرب بيتك ضيعتينا!”، ورجعلي تاني وصوته بيرتعش: “جولييت.. هتعملي فينا إيه؟”
بصيت على الساعة اللي في إيدي وقولت بصوت حاسمة: “أنا هبعتلكوا عربية ميكروباص من بتاعة نقل العمال.. هتوصلكم لحد موقف الميكروباصات العمومي، ومن هناك اتصرفوا. وده آخر كرم مني عشان بس دمك اللي في عروقي.. ومن بكرة، المحامي بتاعي هيتواصل معاك عشان تفرغوا الشقة اللي قاعدين فيها في القاهرة، لأنها برضه ملك للمجموعة.. والويكند الجاي، هيبقى للعيلة الحقيقية بس يا حاج كامل.”
وقبل ما ينطق بكلمة، قفلت السكة في وشه، وعملت للبلوك الأخير في حياتي ليهم كلهم.
لفيت الكرسي وبصيت للمنتجع وهو منور في وسط الضلمة والمطر.. الفندق رجع لأصحابه، وأنا رجعت لمكاني الصح.
