سر الخوف والانكار
في البداية كنت فاكر إن حياتي ماشية بشكل طبيعي، شغل، بيت، وواجبات بخلصها كل يوم من غير ما أسأل نفسي أنا عايش مع مين بجد أو إيه اللي بيحصل جوه الجدران اللي أنا مأمنها.
كلام جارتنا “أم أحمد” كان بيطن في دماغي زي جرس إنذار، لكنها في الأول كانت مجرد ست كبيرة بنعتبرها بتبالغ، لحد ما بدأت الجمل اللي بتقولها تاخد شكل مختلف، مش مجرد شكوى… لكن خوف حقيقي في صوتها. قالتلي إن في حد بتسمعه بيستغيث جوه شقتي، وأنا وقتها ضحكت ضحكة مرتبكة، وقلت لنفسي مستحيل، يمكن سمعها لخبطها، يمكن عندها هلاوس سمعية زي ما وفاء قالت.
لكن الحاجة اللي ما كنتش مستعد لها إن لميس بنتي نفسها كانت بتتغير يوم بعد يوم، مش اختفاء مفاجئ ولا حاجة صادمة، لكن انسحاب هادي يخوف أكتر من أي صريخ، بنتي اللي كانت مليانة حياة بقت ساكتة زيادة عن اللزوم، بترد بكلمتين وبتمشي، وموبايلها في إيدها طول الوقت كأنه العالم الوحيد اللي عايشة فيه، وأنا
كنت بقول لنفسي مراهقة وهتعدي، الجملة الجاهزة اللي بنغطي بيها عجزنا عن الفهم.
لحد ما في يوم وفاء قالتلي إن أم أحمد بتقول كلام غريب، وإن لازم نسيبنا من الهبل ده، ووقتها حسيت إن البيت كله بيتهز من جوا، لكن برضه ما عملتش حاجة غير إني أسكت، لأن السكوت ساعات بيكون أسهل من المواجهة.
اللي قلب كل حاجة كان اليوم اللي رجعت فيه بدري من غير ما أقول لحد، دخلت البيت بحذر كأني بدخل مكان مش بتاعي، وكل حاجة كانت طبيعية زيادة عن اللزوم، لدرجة خلتني أحس إن في حاجة غلط، لحد ما قررت أختفي وأراقب، مش عشان أصدق كلام حد، لكن عشان أريح نفسي من الشك اللي بيقرض في دماغي.
دخلت أوضة النوم وفضلت ساكت تحت السرير، ومش عارف ليه بالذات هناك، لكن الإحساس كان بيقول إن الحقيقة هتعدي من فوقي مش من جنبي.
الوقت كان بيعدي ببطء غريب، لحد ما سمعت باب الشقة بيتفتح بهدوء، خطوات خفيفة دخلت، مش خطوات وفاء المعتادة، في فرق واضح بين
حد داخل بيته وحد داخل وهو خايف، وبعدين الباب الداخلي اتفتح، والهدوء اللي بعده كان مخيف، كأن البيت كله بيحبس نفسه.
فجأة المرتبة فوقي اتضغطت، وسمعت نفس متقطع، وبعدها صوت لميس وهي بتهمس بخوف مش مفهوم، صوتها كان مختلف تمامًا، مش صوت بنت بتتكلم مع أبوها، لكن صوت حد بيحاول ينجو من ضغط نفسي تقيل، كانت بتتكلم كأنها بترد على رسالة أو مكالمة مش موجودة قدامي، وبعدين التليفون اهتز في إيدها، وصوت رسالة اتشغلت، صوت رجالي بارد بيقول كلام تهديد غير واضح، لكن واضح فيه ضغط وخوف، ووقتها قلبي وقع، لأن لميس بدأت ترتعش بشكل هستيري كأنها شايلة حمل أكبر من سنها، وأنا تحت السرير مش قادر أتحرك ولا أفهم.
لكن الغريب إن الصوت اللي جاي من التليفون كان مألوف بشكل غريب، مش صوت غريب تمامًا، لكنه قريب من حد في البيت، ودي اللحظة اللي خلت كل السيناريوهات اللي في دماغي تنهار مرة واحدة، وفجأة سمعت صوت الباب بيتفتح تاني، وفاء
دخلت، لكن المرة دي كانت مختلفة، هادية زيادة، وده كان مرعب أكتر من أي عصبية.
وفاء وقفت في الأوضة وقالت بهدوء غريب إن كل حاجة انتهت، وإن مفيش داعي للخوف، وأنا تحت السرير مش فاهم هو إيه اللي بيحصل، هل أنا في كابوس ولا في حقيقة.
ولما خرجت من مكاني أخيرًا، المواجهة كانت أبسط وأعقد من كل السيناريوهات اللي في دماغي، لأن الحقيقة مكنتش خيانة ولا تهديد من شخص داخل البيت زي ما تخيلت، لكن كانت محاولة يائسة من وفاء إنها تحمي لميس من ابتزاز إلكتروني خطير بدأ يوصلها على موبايلها من رقم مجهول، كان بيحاول يخليها تعزل نفسها وتخاف وتكتم أي تواصل معانا، ووفاء كانت بتحاول تتعامل مع الموضوع بطريقتها، لكنها أخطأت لما حاولت تخفي الحقيقة عني، وخلّت الأمور توصل للشكل المرعب ده، خصوصًا مع ضغط الشغل والخوف على بنتنا، أما أم أحمد فكانت بتسمع صراخ لميس في لحظات الانهيار من البكاء أو التوتر اللي كانت بتعيشه في عز مواجهة
الرسائل دي.
وقتها بس فهمت إن الخطر الحقيقي مش دايمًا بيكون شخص واقف قدامك، أحيانًا بيكون فكرة، أو رسالة، أو خوف بيتزرع في دماغ طفل صغير لحد ما يسيطر عليه، وإن أكبر غلطة عملتها إني سبت البيت يمشي من غير ما أبقى سامع بجد، ومن اللحظة دي قررت أكون موجود مش كأب بيصرف، لكن كأب بيسمع ويفهم ويدخل في التفاصيل قبل ما تتحول لكارثة، لأن البيوت ما بتقعش فجأة… لكنها بتنهار بصمت لما الكل يفتكر إن “كله تمام”.
بعد الليلة دي، مكنتش قادر أرجع أبص للبيت بنفس النظرة القديمة.
كل حاجة كانت باينة طبيعية من بره، لكن أنا بقيت شايف الشقوق اللي مش بتتبان لحد، الشقوق اللي بتبدأ بكلمة “كله تمام” وتنتهي بكارثة محدش واخد باله منها.
وفاء كانت ساكتة بشكل غريب، ولميس بقت أقرب للصمت منها للكلام، وأنا بقيت ما بين الاتنين كأني واقف في نص بيت مش عارف هو بيقع ولا لسه ثابت.
في الأيام
اللي بعدها، حاولت أتصرف كأن مفيش حاجة حصلت، لكن جوايا كنت بتفكك ببطء. كنت كل شوية أبص على لميس وأحاول أفهم، لكن هي كانت بتقفل على نفسها أكتر، مش خوف واضح، لكن انسحاب هادي كأنها بتختفي من الدنيا بالتدريج.
وفاء بدأت تبان مشغولة أكتر، بتقفل موبايلها بسرعة لما أدخل، وبتتكلم بطريقة محسوبة زيادة عن اللزوم، كأن كل كلمة محتاجة مراجعة قبل ما تتقال. وده خلاني أحس إن في حاجة لسه مش مكتملة، جزء من القصة لسه متقالش.
في يوم، لقيت لميس قاعدة لوحدها في الصالة، مش ماسكة الموبايل زي عادتها، كانت بتبص قدامها بس، عيونها فيها إرهاق مش سنها. قعدت جنبها بهدوء، من غير أسئلة مباشرة، وقلت لها إني مش عايز أعرف كل حاجة مرة واحدة، بس عايز أفهم الحقيقة حتى لو تدريجي.
سكتت شوية طويلة، وبعدين قالت بصوت واطي:
إن الموضوع مكنش مجرد رسائل غريبة… لكن كان ضغط نفسي اتبنى
مع الوقت، إحساس إنها لازم تكون “مثالية” قدام ناس معينة، وإن أي غلطة صغيرة ممكن تتقلب لمشكلة كبيرة، وإن الخوف ده خلاها تبعد وتكتم وتخبي بدل ما تحكي.
وقالت كمان إن وفاء مكنتش بتحاول تأذيها، لكن كانت شايلة هم كبير، وبتحاول تحميها بطريقة غلط، بطريقة خلتها تبان كأنها بتحاصرها بدل ما تطمنها.
وقتها فهمت إن المشكلة مكنتش في شخص واحد، لكن في طريقة إدارة الخوف جوه البيت كله.
في نفس الليلة، قعدت مع وفاء لأول مرة نقاش حقيقي من غير صريخ أو دفاع. كانت منهكة، واعترفت إنها كانت بتبالغ في الحماية، وإنها خافت على لميس لدرجة إنها بدأت تتحكم في كل تفصيلة من غير ما تحس.
وقالت جملة ما نسيتهاش:
“أنا كنت فاكرة إني بحميها… لكن طلعت بخنقها.”
الكلمة دي غيرت حاجات كتير جوايا.
بدأنا من تاني، بس المرة دي بشكل مختلف، مفيش تحقيقات تحت السرير ولا اختباء، لكن جلسات
كلام طويلة، محاولة نفهم لميس من غير ما نحاكمها، ونفهم نفسنا قبل ما نحاكم غيرنا.
لميس بدأت ترجع تدريجيًا، مش بسرعة، لكن بخطوات صغيرة، ضحكة خفيفة هنا، كلمة أطول هناك، ونظرة فيها حياة بعد ما كانت باهتة.
وبدأت أفهم إن أخطر حاجة في أي بيت مش المشاكل نفسها، لكن إن كل واحد يفضل مقتنع إنه فاهم كل حاجة لوحده.
وفي يوم، لميس قالتلي وهي قاعدة جنبي:
“أنا كنت فاكرة إنكم مش شايفيني… طلعتوا شايفيني، بس كل واحد بطريقته.”
الجملة دي خلتني أسكت طويل.
لأني لأول مرة فهمت إن الأبوة مش توفير أكل ومصاريف، ولا حتى مراقبة، لكنها حضور حقيقي، حضور بيسمع قبل ما يحكم، وبيفهم قبل ما يقرر.
ومع الوقت، البيت اللي كان مليان صمت وخوف، بدأ يرجع فيه صوت الحياة تاني، مش زي الأول، لكن أهدى وأصدق.
ويمكن القصة ما كانتش عن سر مرعب أو شخص مختبئ، قد ما كانت عن ناس عايشة في
نفس المكان… بس كل واحد فيهم كان لوحده جواه.