حمايا وحماتي قالوا عنها ‘مجنونة
حمايا وحماتي قالوا عنها مجنونة وبتخرف، وحماتي حشرتني في زاوية المطبخ وهي ماسكة مكواة بتغلي وقربتها من بطني وأنا في الشهر الثامن عشان تمضيني على ورق طلاق وتنازل.. بس جوزي الظابط رجع من مأموريته فجأة ودخل من الباب الوراني، ورد فعله زلزل البيت كله وقلب السحر على الساحر!
امضي على ورق الطلاق ده وحالاً، وإلا وقسمًا بالله بنتك دي هتتولد بتشوية وعلامة في جسمها بسببك!.. الكلمات دي نزلت عليا من حماتي الحاجة ماجدة كأنها نصل س كين حامي بيقطع في لحمي، كنت محشورة ومزنوقة ورا رخامة المطبخ، ضهري مكبوس في الرخام الساقع وإيدّيا الاثنين بيترعشوا فوق بطني اللي بقت في الشهر الثامن، وقدامي كانت الحاجة ماجدة ماسكة في إيدها مكواة بتغلي، مكنتش بتكوي هدوم، ومكنتش بتهدد تهديد فاضي؛ المكواة كانت محطوطة في الفيشة، وبتطلع بخار وثقيلة، ويادوبك على بعد سنتيمترات من بطني! وعلى ترابيزة المطبخ كان مرمي الورق؛ قسيمة طلاق، تنازل عن المؤخر والنفقة وشقة الزوجية، ومعاهم طلب رسمي مقدم للمحكمة بيطالب بإن أول ما بنتي تتولد، الولاية والحضانة المؤقتة تروح للحاجة ماجدة بسبب عدم اتزاني النفسي والعقلي!
أنا اسمي مريم، عندي تلاتين سنة، ولحد اليوم ده كنت لسه عاوزة
أصدق إن مستحيل أم تقلب على ابنها وتحول بيته لساحة ح رب في غيابه، جوزي النقيب أحمد كان بقاله سنة كاملة غايب في مأمورية عسكرية صعبة وسرية برة المحافظة في منطقة حدودية، مكنتش بأقدر أعرف هو فين بالظبط، لأن فيه حاجات أهالي الظباط بيتعلموا يسكتوا عنها حتى لو قلوبهم عاوزة تصرخ من الشوق والخوف، طول السنة كنت بعد الأيام بالثانية، وأرجع أقرأ رسايله القديمة لحد ما حفظت كل كلمة فيها بالترتيب، وبالليل لما البيت يضلم ويوسع عليا، والبنوتة تتحرك تحت ضلوعي، كنت بشغل الفويسات القديمة بتاعته عشان البنت تسمع صوت أبوها، كنا مسميينها نور من قبل ما نشوف وشها، أحمد كان دايماً يقول لي الاسم ده كله ضي وأمل.. وأنا صدقته، بس في الشهور الأخيرة، الضي ده بدأ يختفي تماماً والضلمة كلت البيت.
الحاجة ماجدة نقلت تعيش معايا في الشقة بعد تلات شهور من سفر أحمد، قالت لي في التليفون مينفعش تقعدي لوحدك في حالتك دي يا بنتي، ابنني وصاني عليكي وقالي خدي بالك من كل حاجة، مكنتش عارفة هل أحمد قال لها كدة فعلاً ولا لاء؛ أحمد مكنش دايماً متاح للاتصال، ساعات كانت بتعدي أسابيع من غير ما نسمع صوته، وساعات الرسايل بتوصل متأخرة ومقطعة أو متبعتش أصلاً، والبعد بيخلي الكدب
سهل يتصدق خصوصاً لو متبطن بخوف وحنية صفرا! في الأول حماتي كانت طيبة أوي، كانت بتعمل لي شوربة دافية، وتجيب هدوم للبيبي وفيتامينات، ومرسومة على وشها ضحكة الجدة الحنينة اللي الناس بتثق فيها بسرعة، وقدام الجيران في العمارة كانت تقول لي يا بنتي يا حبيبتي وتحط إيدها الساقعة على بطني وتدعي لي، وبعدين بدأ التحكم يظهر ويبان على أصلة، بدأت بأكلي أنتِ بتتخني أوي وأحمد مش هيعرفك لما يرجع!، وبعدين هدومي الست المحترمة متلبسش كدة وهي حامل!، وبعدين تليفوناتي بلاش تقرفي ابني بمشاكلك التافهة، الراجل بيحمي البلد مش فاضي للعب العيال ده!، ولما كنت بسألها عن جوابات أو رسايل من أحمد كانت تسكت وتقول مفيش حاجة جت، ولما كنت بكتب له جوابات كانت بتختفي، وتليفوني بدأ يخرف وفجأة لقيت نوتة الأرقام بتاعتي مرمية في زبالة المطبخ ومغرقاها القهوة، وقالت لي وقعت غصب عني.. مكنتش مصدقاها بس كنت لوحدي، والتعب كان بيهد في جسمي يوم عن يوم.
ولما بقيت في الشهر السابع، حماتي ورتني ورقة عليها ختم رسمي، وقالت لي إن أحمد اتصاب إصابة خطيرة في العمليات، ممتش بس مش هيعرف يتواصل لفترة مش معروفة، أنا انهرت على أرض الصالة وجالي ذهول، وهي كلبشت فيا جامد وهمست في ودني
دلوقتي لازم تسمعي كلامي.. عشان خاطر نور!، ومن بعد اليوم ده، الشقة مبقتش بيتي.. بقت قفص حديد، كانت تقول لي الجيران بيتكلموا عليكي برة، وأهلك مش عاوزين يشوفوا وشك، وصاحبتك الأنتيم بتقول إنك بقيتي شخصية صعبة ومبتطاقش! كل ده كان كدب في كدب، بس هي كانت بتقطع كل الخيوط حواليا واحد ورا الثاني، ألغت مواعيد دكتور النساء بتاعي من ورايا، ولما كانت بتاخدني، كانت هي اللي بتقعد تجاوب مكاني على الأسئلة! وتقول للدكتور إنني بعيط طول اليوم، وبكلم نفسي، وبتخيل حاجات وبشك في كل اللي حواليا! في مرة حاولت أكلم أمي من الصيدلية اللي تحت البيت، وقبل ما أطلب الرقم، لقيتها واقفة ورايا وزي الخيال وبتقول لي بلاش تعملي حاجة تندمي عليها يا مريم.. ومن بعد اللحظة دي، كنت بنام وباب الأوضة موارب من كتر رعب السكتة لتدخل عليا وأنا نايمة تعمل فيا حاجة!
يوم ما أحمد رجع، أنا مكنش عندي علم نهائي، وصل قبل معاده بأسبوع كامل عشان يعملها لي مفاجأة تفرحني، حكى لي بعدين إنه أخد تاكسي من المعسكر، ووقف عند محل ورد صغير في وسط البلد واشترى باقة ورد ليلّي أبيض عشان الورد ده كان في بوكيه فرحنا، جه البيت وشنطته الميري الكبيرة على كتفه، وهو راسم في خياله إنني هجري وأترمي
لمحة نيوز
في حضنه.. بس أول ما قرب من باب الشقة، حس إن فيه حاجة غلط؛ زرع البلكونة كان ناشف وميت، والستائر كلها مقفولة في عز الظهر، مفيش صوت مز
