اهلي فهمو الناس اني محبوسه حكايات صافي هاني

بقالهم أربع سنين، أبويا وأمي مفهمين الناس كلها إني كنت في السجن… بس الحقيقة إني كنت بخدم برا البلد في الجيش. ولما رجعت أخيراً البيت بالزي العسكري، اتصلوا بالشرطة وقالوا لهم إن في مجرم خطير واقف عندهم.
عم هولواي قال لي بهدوء خليكي جوه العربية، وهو بيقفل الأبواب وإيده بترتعش. أمك لسه مكلّمة النجدة حالا، وقالت لهم إن في مسجون هارب واقف في جنينة بيتها.
أنا اتسمّرت في مكاني.
من ورا الزجاج الأمامي، كنت شايفه البيت اللي حلمت بيه لأربع سنين طوال.
المدخل الأبيض.
المشاية المتكسرة.
نافورة العصافير القديمة اللي جنب صندوق البوسطة.
أنا في البيت.
أو على الأقل… اللي كان بيتي في يوم من الأيام.
كنت لسه لابس لِبْس الجيش بتاعي بعد ما رجعت من الخدمة برا. شنطتي القماش كانت على رجلي، والتراب لسه مالي بيادتي، وورق الإعفاء والتسريح متطبق بعناية جوه جيب الجاكيت.
لسنين، كنت متخيل اللحظة دي بشكل تاني خالص.
كنت فاكر أمي هتعيط من الفرحة.
كنت فاكر أبويا .
كنت فاكر إن في حد هيبقى فخور إني رجعت عايش.
بدل كل ده، صوت سرينات الشرطة كان بيرن في الشارع.
وصلت تلات عربيات بوكس في الأول.
وبعدها الجيران بدأوا يتجمعوا.
مدرسين من مدرستي القديمة.
ناس من المسجد والكنيسة اللي في المنطقة.
وفي الآخر وصلت عربية قناة أخبار محلية،

والمصور نازل يجري في النجيله كأنه شامم ريحة سبوبة أو مصيبة.
بصيت لعم هولواي وأنا مش مصدق.
هي أمي قالت لهم إيه بالظبط؟
بلع ريقه بصعوبة قبل ما يرد.
قالت إنك خطر. وقالت إنهم أفرجوا عنك بدري من السجن.. وقالت إن اللبس العسكري ده مزيف.
حسيت كأن الهوا اتقطع عن الرئتين عندي.
وفجأة، الباب الأمامي للبيت اتفتح ببطء.
خرجت أمي ولابسة جاكيت بيج، وماسكة صدرها بشكل دراماتيكي كأنها بتمثل قدام الجمهور.
ووقف وراها أبويا، وشه أحمر ومشدود، ومثبت جنزير الباب.
أمي زعقت بصوت عالي عشان الشارع كله يسمع يا سارة، أرجوكي بلاش تصعبي الأمور أكتر من كده!
المصور وجه الكاميرا عليا فوراً.
الظابط ووكر قرب مني بحذر.
وقال كله يهدى في مكانو.
صوتي اتهز وأنا برد عليه.
أنا الرقيب أول سارة ميتشل. أنا لسه راجعه حالا من الخدمة برا البلد.
الهمس والوش بدأ ينتشر بين الناس في ثانية.
أبلة دونيلي مدرستي القديمة في الإعدادي حطت إيدها على بقها من الصدمة.
الشيخ جلين طلع لقدام ووشه مخطوف تماماً.
هنا أمي شاورت عليا صُباعها بالظبط.
وقالت ببرود اللبس ده جزء من ألاعيبها وتمثيلها! هي كدابة طول عمرها.
مديت إيدي لجيب الجاكيت ببطء.
يا فندم، أنا ممكن أوريك كارنيه الجيش بتاعي
إياك تلمس أي حاجة هي بتطلعها! أبويا صرخ فجأة من عند الباب.
الشارع كله حط مية في بقه وسكت.
وفجأة، حصلت حاجة غير متوقعة.
عم هولواي نزل من العربية.
وقال بصوت فيه رعشة البنت دي كانت بتبعت رسائل للبيت كل شهر، وأنا اللي كنت بوصلهم بنفسي بعد ما أبوها وأمها رفضوا يستلموا البوسطة.
في ثانية واحدة، وش أمي اتقلب.
ما كانش ندم.
ولا كان حزن.
ده كان غل.
غل صافي.
وبعدها أبويا رزع الباب الأمامي.
تكة أول قفل.
وبعدها التاني.
وبعدها التالت.
أبويا وأمي حبسوا نفسهم جوه البيت، وأبويا زعق من ورا الباب
لو كانت عايزة الناس كلها تعرف الحقيقة أوي كده… يبقى فرجيهم على اللي إنتي دفنتيه!
وفجأة، الشارع كله لف وشه وبص لي أنا.
الشارع كله كتم نفسه، ومبقاش فيه غير صوت فلاشات الكاميرا وصوت الهوا. نظرات الجيران كانت بتنهش فيا، ما بين نظرة شك، ونظرة صدمة، ونظرة مستنية الفضيحة.
الظابط ووكر قرب مني خطوة كمان، إيده كانت قريبة من طبنجته، وقال بصوت حازم بس فيه نبرة شك بعد كلام عم هولواي يا آنسة.. اطلعي من العربية براحة وإيديك في مكان ظاهر.. ووريني ورقك.
فتحت باب العربية ونزلت.. رجلي كانت بتترعش بس حاولت أصلب طولي زي ما اتعلمت في الميدان. مديت إيدي بالراحة وطلعت المحفظة العسكرية وورق التسريح، وسلمتهم للظابط.
الظابط أخد الورق وبدأ يقراه بتركيز، ملامح وشه بدأت تتغير من الشك للذهول وهو بيبص للكارنيه العسكري وصورتي وبيرجع يبصلي. في نفس الوقت، المصور بتاع قناة الأخبار كان مقرب الكاميرا من وشي لدرجة خلتني عايزة أكسرها.
عم هولواي وقف جنبي وقال للظابط الورق ده سليم يا فندم، البنت دي بطلة، وأهلها هما اللي…
بس يا حاج هولواي لو سمحت، الظابط قاطعه وهو لسه بيبص في الورق، وبعدين التفت للناس وزعق كله يرجع لورا! ومفيش تصوير هنا!
لكن الجيران مكنوش بيتحركوا، الفضول كان هياكلهم. أبلة دونيلي، مدرستي القديمة، قربت خطوة وهي بتبكي وقالت سارة.. يا بنتي.. إيه اللي بباكي ومامتك بيقولوه ده؟ دفنتي إيه؟
كلام أبويا من ورا الباب كان لسه بيرن في ودني كأنه قنبلة فرجيهم على اللي إنتي دفنتيه!
فجأة، افتكرت. حسيت ببرودة في جسمي كله، وعينيا اتوجهت تلقائي للمكان اللي في زاوية الجنينة، تحت شجرة الصفصاف القديمة.. المكان اللي أبويا كان بيقصد بكلامه عنه.
الظابط ووكر لاحظ نظرتي، وبص هو كمان لشجرة الصفصاف، وقال بنبرة قلق في إيه مدفون هناك يا سارة؟
أخدت نفس طويل، وكنت حاسة إن الأربع سنين اللي فاتوا في الغربة كوم، واللي هيحصل دلوقتي كوم تاني خالص. قربت من الشجرة، والناس كلها بدأت تتحرك ورايا ببطء وكأننا في جنازة.
وقفت تحت الشجرة، وبدأت أحفر في الطين بإيديا والبيادة بتاعتي، والتراب ملى لِبْس الجيش اللي كنت لسه فخورة بيه من شوية. بعد دقايق من الحفر، صوابعي خبطت في حاجة حديد.. صندوق معدني قديم

ومصدي.
طلعت الصندوق، والشارع كله مبقاش فيه نفس.
فتحت الصندوق بإيد بترتعش، وطلعت منه الحاجة اللي ببايا وأميا كانوا مستعدين يدمروا حياتي ويطلعوني مجرمة وسجينة عشان يداروها.. الحاجة اللي هتغير كل حاجة في الحتة دي.
فتحت الغطا الصاج اللي كان بيزيّق بعنف، والصوت في ودني كان كأنه صرخة. الشارع كله اتمدت رقابه، والمصور لَف الكاميرا بسرعة وحاول يلقط كادر من فوق كتفي، بس الظابط ووكر زقه بإيده لورا وهو بيقرب وعينه جوه الصندوق.
جوه الصندوق مكنش فيه جثة، ولا مخدرات، ولا آثار، ولا أي حاجة من اللي نظرات الجيران كانت بتدور عليها…
جوه الصندوق كان فيه ملف جلدي أسود منفوخ، وشرائط تسجيل قديمة كاسيت، ومعاهم طبنجة ميري قديمة متكلبشة بسلاسل صغيرة.
أول ما شفت الملف، قلبي سقط في رجلي. ذكريات ليلة من أربع سنين فاتت، ليلة ما سبت البيت وهربت على التجنيد، رجعت كلها في ثانية واحدة.
الظابط ووكر وطى، ومد إيده بالراحة وطلع الملف. فتحه، وبدأ يقلب في الورق.. وفجأة، إيده وقفت. ملامح وشه اتيبست، ونظرة الشك اللي كانت في عينه اتحولت لرعب حقيقي. بصلي وصوته اتهز لأول مرة ده… ده ورق عمليات الأمن الخاص بتاعة الولاية من عشر سنين؟ ودي أسماء…
وقبل ما يكمل جملته، أبلة دونيلي شهقت وحطت إيدها على بؤها لما شافت اسم عيلتها مكتوب بخط أحمر عريض على أول ورقة ظاهرة من الملف.
أبويا وأمي مكنوش خايفين مني يا فندم، صريت على أسناني والدموع المحبوسة بدأت تحرق عيني، بس وقفت بثبات أبويا وأمي كانوا خايفين من اللي هما عملوه.. الصندوق ده فيه تقارير الإدانة والرشاوي اللي بسببه البيوت دي كلها اتهدت، والأراضي دي اتاخدت بالباطل. أبويا كان شغال مع الشبكة دي، ولما أنا عرفت وهددت إني هبلغ قبل ما أدخل الجيش، أجبروني أهرب.. والنهاردة لما رجعت، فكروا إنك جاي تقبض عليهم بسببي، فقرروا يغدوا بيا ويقلبوا التربيزة عليا ويطلعوني أنا المجرمة قدام أهل الحتة عشان محدش يصدقني.
الشارع اتقلب في ثانية. الهمهمات بقت زعيق، ونظرات الشك اللي كانت بتاكل فيا، اتحولت لسكاكين متوجهة لبيت أبويا وأمي. الناس بدأت تفهم اللعبة.
عم هولواي بص للبيت وتف في الأرض وقال بغل يا ولاد الكلب.. طول السنين دي ومفهمينا إن البنت هربت بعارها، وأنتوا اللي عار المنطقة كلها!
الظابط ووكر قفل الملف بقوة، وبص للمصور وبصوت يرعب قال الكاميرا دي تقفل حالا، والورق ده يتحرز. وبعدين التفت ليا، رفع إيده وحياني تحية عسكرية كاملة وقال يا سارة.. أنتِ كملتي واجبك في الميدان، والنهاردة كملتيه هنا. اطلعي بريئة ومرفوعة الرأس.
في اللحظة دي، باب البيت اتفتح، وأبويا وأمي ظهروا على العتبة، وشوشهم كانت صفرا زي الأموات لما شافوا الصندوق مفتوح في إيد الظابط، وعرفوا إن القنبلة اللي رموها عليا.. انفجرت في وشهم هما.
أبويا حاول يرجع لورا ويقفل الباب، بس رجلين الظابط ووكر كانت أسرع. أشار لاتنين من العساكر بتوعه بصوت زي الرعد هاتولي الإتنين دول.. ومحدش يخليهم يلمسوا حاجة في البيت!
في ثواني، كان الشارع قايد نار. أبلة دونيلي قعدت على الرصيف بتعيط وهي مش مصدقة إن الراجل اللي كانت بتعتبره جارتها وأخوها هو السبب في خراب بيتها من عشر سنين. الجيران اللي كانوا من شوية مستنيين الفضيحة ليا، بدأوا يتلموا حواليا، اللي بيحاول يطبطب على كتفي، واللي بيعتذر بنظراته، بس أنا كنت في عالم تاني.
كنت ببعد عن شجرة الصفصاف خطوة بخطوة، وببص لإيديا اللي مليانة طين… الطين اللي دفنت فيه حقيقتي وحمايتي لأربع سنين عشان خايفة من مواجهة الحقيقة.
سارة.. استني.
صوت عم هولواي وقفني. جالي وهو ماسك المحفظة العسكرية وورق التسريح بتاعي اللي الظابط سابهم معاه. مد إيده بيهم ليا وعينه مدمعة حقك علينا يا بنتي. شرفك وشرف بدلتك دي أنضف من المنطقة دي كلها. سامحينا.
خدت الورق منه، ونفضت التراب اللي عليه بالراحة. بصيت لبيت أبويا وأمي… كانوا خارجين والكلبشات في إيديهم، عيونهم كانت في الأرض، ومقدروش يرفعوا عينهم في عيني ولو للحظة. مكنتش حاسة بشماتة، كنت حاسة بفضى رهيب، كأن جبل كان كاتم على نفسي وأخيرًا اتهد.
المصور بتاع قناة الأخبار كان لسه واقف مذهول، والكاميرا في إيده بس منزّلها الأرض. قربت منه خطوة واحدة، وبصيت جوة العدسة مباشرة وقلت بنبرة هادية بس تزلزل قفلتم الكاميرات ليه؟ مش كنتوا مستنيين الفضيحة؟ صوروا.. صوروا البطل اللي بجد، وصوروا الخاين اللي بجد.
الظابط ووكر حط الملف والصندوق في شنطة عربية البوليس، وقرب مني قبل ما يركب يا آنسة سارة، بكره الصبح تشرفينا في المديرية، شهادتك هي اللي هتقفل القضية دي تمامًا. وبصفتي ظابط.. أنا فخور إن فيه في جيشنا ناس زيك.
العربيات مشيت، وسرينات البوليس بدأت تختفي بالتدريج، والشارع رجع هس.. بس المرة دي، مكنش كتمة نفس من الخوف، كان صمت الذهول والندم من الناس اللي حواليا.
ركبت عربيتي تاني، حطيت ورق تسريحي على الكرسي اللي جنبي، ودورت الموتور. وبصيت في المراية لنفسي… لأول مرة من أربع سنين، شوفت سارة الحقيقية، البنت اللي واجهت الحرب هناك، ونهت الحرب هنا. دوست بنزين ومشيت، ومن غير ما أبص ورايا ولا لمرة واحدة.
الطريق قدامي كان طويل وفاضي، وصوت الموتور كان الحاجة الوحيدة اللي بتكسر السكوت اللي جوة دماغي. الشوارع اللي كبرت

فيها وبقت غريبة عليا بدأت تتلاشى في المراية ورايا، ومعاها كل الخوف والظلم اللي عيشتهم.
سحبت نفس طويل، ولأول مرة من سنين حسيت إن الهوا بيدخل صدري بجد، مش مجرد أنفاس مكتومة ومتحفزة لأي غدر.
وصلت على أطراف المدينة، وركنت العربية على جنب قدام كافيه قديم وصغير كان هادي ومفيهوش زحمة. نزلت وأنا لسه ببدلتي العسكرية، الطين اللي على البيادة وعلى لبسي مكنش مضايقني، بالعكس، كان كأنه أوسمة جديدة انضافت لتاريخي، دليل إني حفرت بإيديا وطلعت الحقيقة من تحت الأرض.
دخلت قعدت على ترابيزة جنبه الشباك، وطلبت قهوة سادة. طلعت الموبايل بتاعي وبصيت عليه، الرسايل والإشعارات كانت بتنفجر. الأخبار بدأت تنزل، وفضيحة عائلة سارة اتحولت ل البطلة العسكرية تكشف أكبر شبكة فساد. جيراني، زمايلي القدام، وحتى ناس معرفهاش، كلهم ماليين السوشيال ميديا باعتذارات وكلام عن الشجاعة.
قفلت الشاشة وحطيت الموبايل على وشّه على الترابيزة. مكنتش محتاجة تصفيق من حد، ولا كنت مستنية اعتذار من مجتمع كان مستعد ينهش لحمي في ثانية لمجرد كلمة اتقالت عليا. أنا كنت محتاجة السلام ده.. السلام اللي بيني وبين نفسي.
القهوة جت، وجمبها كوباية مية. أخدت رشفة، وبصيت من الشباك على الشمس اللي كانت بتغيب وتغسل السما بلون أحمر دافي.
افتكرت كلام الظابط ووكر عن شهادتي الصبح في المديرية. القضية مش هتقف عند أبويا وأمي بس، الملف ده فيه حيتان كبيرة في البلد، ورؤوس كانت فاكرة نفسها فوق القانون، وبكرة الصبح، رجلي هتدوس على عش الدبابير ده من غير خوف. الحرب في الميدان علمتني إزاي أواجه الرصاص، والحرب هنا علمتني إزاي أواجه الورق والسياسة.
فتحت المحفظة العسكرية تاني، وبصيت على صورتي الكارنيه. ابتسمت لنفسي لأول مرة من قلبى… الرحلة كانت قاسية، والتمن كان غالي، بس النهاية كانت تستاهل.
أنا سارة.. البنت اللي دفنوا سرها عشان يكسروها، فرجعت بالبدلة العسكرية عشان تحفر بإيدها وتدفن فسادهم.
شربت قهوتي، وقمت وقفت بظهر مفرود، وخطوات واثقة، وخرجت عشان أستقبل الفجر الجديد اللي أنا بنفسي صنعته.
رجعت البيت الصغير اللي أجرته على أطراف المدينة. السكوت جوه المكان كان مريح، ملوش علاقة بكتمة النفس اللي كانت في شارعنا القديم. قلعت الجاكيت العسكري التقيل، علقته بعناية، ودخلت غسلت إيدي من باقي طين شجرة الصفصاف. وأنا ببص للمية وهي بتجري في الحوض ولونها بيتغير، حسيت إنها بتغسل مع الخوف والوجع بتاع السنين اللي فاتت.
نمت ليلتها نوم عميق، من غير كوابيس عن الجبهة، ومن غير قلق من بكرة.
الصبح صحيت قبل المنبه. لبست لبس رسمي، نضيف ومريح، وأخدت المحفظة العسكرية وورق التسريح، ونزلت. الساعة كانت تمانية بالثانية وأنا واقفة قدام مبنى مديرية الأمن.
المبنى كان خليه نحل، والظابط ووكر كان واقف مستنيني عند البوابة الرئيسية ومعه ملفات تانية كتير. أول ما شافني، ملامحه الجادة ارتاحت شوية، وشاورلي أدخل معاه.
جاهزة يا سارة؟ سألني وهو بيفتح باب غرفة التحقيق الكبيرة. الكلام اللي هتقوليه النهاردة، والأسماء اللي في الملف ده، هيقلبوا الولاية رأساً على عقب. فيه رؤوس كبيرة بدأت تتحرك وتحاول تلم الموضوع من برة.
بصيت له بثبات وهزيت راسي أنا عيشت أربع سنين في وسط الألغام يا فندم. الرؤوس الكبيرة دي متخوفنيش. أنا هنا عشان أقفل الدفتر ده تماماً.
قعدت قدام وكيل النيابة، وبدأت أتكلم. حكيت كل حاجة بالتواريخ، والأسماء، والتفاصيل اللي شوفتها بعيني وأنا بنت عندها تسعتاشر سنة. حكيت عن التهديد، وعن ليلة ما دفنت الصندوق وهربت وأنا حاسة إن بلدي ملهاش أمان في وجود الناس دي. التحقيق استمر لساعات، والكل كان بيسمع بذهول لولاية كاملة كانت بتتباع وتشتري في الخفاء.
وأنا بوقع على أقوالي، الباب اتفتح ودخل ظابط تاني وهمس لووكر بحاجة. ووكر بصلي وقال والدك ووالدتك طلبوا يشوفوكي قبل ما يترحلوا للحجز… رافضين يتكلموا أو يوقعوا على حاجة إلا لو شافوكي.
ترددت لثواني. هل جوايا طاقة لمواجهتهم تاني؟ بس حسيت إن المواجهة دي هي الختم الأخير على القضية. هزيت راسي وقلت ماشي.
دخلت أوضة المقابلات. كانوا قاعدين ورا التربيزة، الكلبشات في إيديهم، وشوشهم باهتة والتجاعيد زادت فيها ميت سنة في ليلة واحدة. أول ما دخلت، أبويا رفع عينه فيا، مكنش فيها الغل بتاع امبارح، كان فيها انكسار وخوف.
سارة… صوت أمي كان مخنوق وهي بتبكي احنا عملنا كل ده عشان نحميكي ونحمي نفسنا.. هما كانوا هيقتلونا لو الورق ده ظهر.
أنتم محمتونيش صليت على أساني وأنا واقفة بعيد عنهم، ومحاولتش حتى أقعد. أنتم حميتوا الفلوس اللي أخدتوها تمن لبيوت الناس الغلابة. أنتم بعتوني ورميتوا شرفي في الطين قدام الحتة كلها عشان تداروا على جريمتكم. لو كنتوا جيتوا معايا من أربع سنين وبلغتوا، كان زماننا عايشين مرفوعين الراس.
أبويا بص للأرض وصوته كان واطي وبيترعش الشبكة دي مش هترحمك يا بنتي.. أنتي دمرتينا ودمرتي نفسك.
قربت من التربيزة، ساندة بإيديا الإتنين عليها، وبصيت في عينه مباشرة أنا مابقتش البنت الضعيفة اللي بتهدد بكلمتين. أنا بقيت عسكرية في الجيش، ومعايا القانون، والبلد كلها شافت الحقيقة. دمرت نفسي؟ بالعكس.. أنا النهاردة بس بدأت أعيش.
سبتهم وخرجت، وصوت عياط أمي كان بيختفي ورا الباب اللي اتقفل ورايا.
وأنا خارجة من مبنى المديرية، الشمس كانت في وسط السما، قوية ومالية المكان نور. برة، كان فيه عدد من الصحفيين، بس المرة دي
مكنوش بيدوروا على فضيحة، كانوا واقفين باحترام مستنيين كلمة.
تخطيتهم بهدوء، وركبت عربيتي. فتحت الراديو، وجت أغنية قديمة ودافيّة. سحبت نفس طويل، وبصيت للطريق القدام.. طريق ملوش علاقة بالماضي، طريق أنا اللي برسمه بنفسي، خطوة بخطوة، وبكل فخر.
بعد شهرين كاملين من اليوم ده، كانت عناوين الأخبار بدأت تهدى شوية، لكن أثر الزلزال اللي حصل كان لسه مغير كل شبر في الولاية. الأسماء الكبيرة اللي أبويا كان بيخوفني بيها كانت ورا القضبان بتتحاكم، والبيوت اللي اتنزعت ملكيتها بالباطل بدأت ترجع لأصحابها بعقود قانونية جديدة.
كنت قاعدة في شقتي الجديدة، بفتّح الشبابيك وبدخل شمس الصبح، لما الباب خبط.
فتحت، لقيت عم هولواي واقف وبإيده علبة قطيفة صغيرة، ووراه كانت واقفة أبلة دونيلي، ملامحها كانت أهدى بكتير من آخر مرة شوفتها، والكسرة اللي كانت في عينها اختفت.
صباح الخير يا سارة يا بنتي، عم هولواي قالها بابتسامة صافية وهو بيمد إيده بالعلبة. المنطقة كلها كانت عايزة تعمل لك حفلة تكريم وتعتذر لك رسمي، بس أنا عارف إنك مبتحبيش الزيطة.. فقررنا نجيب لك دي لحد عندك.
فتحت العلبة، لقيت جواها ميدالية فضية محفور عليها اسمي، وتحته جملة إلى ابنتنا البطلة.. من أعادت الحق لأصحابه.
أبلة دونيلي قربت مني، وعينها لمعت بالدموع سامحينا يا سارة.. إحنا اتعلمنا الدرس، الحقيقة ممكن تتفن تحت الأرض سنين، بس مسيرها تطلع وتدفي اللي اتظلموا، وتحرق اللي ظلموا.
شكرتهم من كل قلبي، ووقفت معاهم لدقائق حسيت فيها إن الوجع اللي عيشته السنين اللي فاتت اتبخر تماماً. الناس دي مش وحشة، الناس دي كان بيتم تزييف وعيها، ولما الحقيقة ظهرت، ظهر معاها معدنهم الحقيقي.
بعد ما مشيوا، لبست هدومي ونزلت. كان عندي مشوار مهم.
رحت على المقابر برة المدينة.. وقفت قدام قبر جدي، الراجل الوحيد في العيلة دي اللي علم الشرف بجد، واللي كان دايماً يقول لي وأنا صغيرة يا سارة، نامي مظلومة ولا تناميش ظالمة، والراس اللي تترفع بالحق مفيش قوة في الأرض تقدر تكسرها.
حطيت وردة على قبره، وقلت بصوت واطي عملتها يا جدي.. رفعت راسي، وجمعت ورق التسريح بتاعي وشرفي، ومخلتش حد يكسرني.
وأنا راجعة لعربيتي، تلفوني رن. كان رقم من قيادة الجيش.
رديت بسرعة وبنبرة عسكرية أفندم.
جاءني صوت القائد بتاعي، نبرته كانت مليانة فخر الملازم أول سارة.. إحنا تابعنا القضية بتاعتك من أول يوم، وبناءً على شجاعتك وحسن تصرفك في حماية أمن الولاية وتقديم أدلة حساسة، صدر قرار بإعادة استدعائك للخدمة وتعيينك في جهاز الاستخبارات العسكرية بداية من الأسبوع الجاي. جاهزة؟
ابتسمت ابتسامة عريضة، وبصيت للسما الصافية فوقيا. الحرب القديمة خلصت، بس رحلتي الحقيقية لسه بتبدأ.
شدّيت ضهري، وضربت تعظيم سلام للهوا وللمستقبل، وقلت بكل قوة
جاهزة يا فندم.. ومستعدة دايماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *