حلم الأبوة المفقود

إسكندر المنشاوي عمره ما كان بيخاف من حاجة. راجل بنى اسمه من الصفر، دخل عالم الشحن واللوجستيات وهو عنده أربعة وعشرين سنة، واتحول في أقل من عشر سنين لواحد من أصغر رجال الأعمال اللي اسمهم بيتقال في مواني إسكندرية والسخنة ودمياط. كان بيقف وسط الحاويات والوناش وصوت السفن العملاقة كأنه ملك ماسك إمبراطورية كاملة في إيده. الناس كانت تشوفه ناجح، قوي، صوته واثق، بدلته دايمًا متقفلة على مقاسه، وعربيته السودا اللي بتنزل قدام أي مكان تخلي الكل يسكت. لكن الحقيقة اللي محدش كان يعرفها إن إسكندر كل ليلة كان بيرجع قصره الكبير في جاردن سيتي ويحس إنه داخل قبر متزين.

البيت كان ناقصه صوت واحد بس… صوت طفل.

ومن يوم ما اتجوز فريدة وهو شايفها حلمه الحقيقي. فريدة ماكنتش مجرد زوجة جميلة أو بنت عيلة راقية. كانت البنت الوحيدة اللي عرف قد إيه قلبها نضيف. كانت بتستناه بالساعات لو اتأخر، تحفظ تفاصيل يومه، وتعرف من نَفَسه إذا كان متضايق ولا مرهق. أول سنة جوازهم كانت مليانة ضحك وخطط وأحلام عن أطفالهم. كانوا يدخلوا محلات الأطفال ويتخانقوا هزار على ألوان الأوض، وكانوا كل شهر يفتكروا إن المعجزة قربت.

لكن السنين عدت ثقيلة.

تحاليل، دكاترة، سفر، أدوية، عمليات… وكل مرة كانوا يرجعوا بأمل صغير، والأمل ده يتكسر على باب البيت. لحد ما جه اليوم اللي الدكتور بص فيه لفريدة بأسف وقال إن فرص الحمل ضعيفة جدًا لدرجة شبه مستحيلة.

في اللحظة دي، فريدة اتكسرت من جواها.

أما إسكندر… فكان بيتحول لحاجة تانية. حاجة باردة. حاجة هربانة.

بدأ يقضي أغلب وقته في الشغل. الاجتماعات بقت ملاذه. السفر بقى شماعته. وكل ما يرجع البيت ويلاقي الصمت مالي المكان، يحس بغصة تخنقه. فريدة كانت بتحاول تتمسك بأي حاجة تنقذ جوازهم. تعمل عشا، ترتب البيت، تضحك، تحاول تقرب

منه… لكنه كان بيهرب أكتر.
وفي يوم، بعد خناقة صامتة من النوع اللي محدش بيرفع فيه صوته لكن كل كلمة فيه بتدبح، إسكندر سافر أمريكا وساب على مكتبها ورق طلاق ممضي.

كان فاكر إنه بيرحمها.

لكن الحقيقة إنه كان بيهرب من إحساسه بالفشل.

ولما جاله الاتصال من المستشفى، الدنيا كلها وقفت.

“مراتك بتولد تلات توائم.”

الجملة دي قلبت روحه حرفيًا.

طول رحلة العودة للقاهرة، كان حاسس إن قلبه بيتسحب من مكانه. افتكر كل لحظة سابها فيها لوحدها. كل مرة تجاهل دموعها. كل مرة هرب فيها بحجة الشغل. ولأول مرة في حياته، حس إنه صغير جدًا.

ولما وصل المستشفى، عرف الحقيقة كاملة.

فريدة كانت عارفة بحملها من شهور.

عرفت بعد رحلة علاج أخيرة كانت عاملاها من غير ما تقوله لأنها فقدت الأمل إنه يصدق أو يهتم. ولما اكتشفت إنها حامل، كانت ناوية تقوله بطريقة تفرحه… لكن في نفس اليوم لقت ورق الطلاق.

اليوم ده قتلها وهي واقفة.

الممرضة حكت للدكتور إنها لما شافت الورق وقعت على الأرض وهي ماسكة بطنها وبتعيط من غير صوت. ومن الصدمة دخلت في تعب شديد، ومن ساعتها الحمل كله بقى خطر على حياتها.

إسكندر كان واقف قدام أوضة العمليات حاسس إنه مجرم.

ولما سمع صرخة الطفل الأول، رجله ماقدرتش تشيله من الفرحة والخوف. وبعدها التاني. لكن لما الصمت نزل بعد الطفل التالت، قلبه وقع.

الدكتور خرج بسرعة، ووشه شاحب.

قال إن الطفل التالت اتولد ضعيف جدًا، وفريدة دخلت في نزيف خطير.

إسكندر دخل الأوضة وهو بيرتعش.

شاف فريدة على السرير، وشها أبيض كأن الروح بتخرج منه، وشعرها لازق في جبينها من العرق. لكن أول ما شافته… ابتسمت.

ابتسامة مرهقة ومكسورة.

همست بصوت ضعيف: “شوفت يا إسكندر؟ ربنا رزقنا…”

وقع على ركبته جنب السرير ومسك إيدها يبوسها وهو بيبكي لأول مرة من سنين.

“سامحيني…

أنا أوحش راجل في الدنيا.”
فريدة بصت له بحزن عميق وقالت: “أنا شفت ورق الطلاق قبل ما أدخل العمليات.”

الجملة قطعت قلبه نصين.

فضل يهز راسه بجنون: “غلط… والله غلط… كنت أعمى… سامحيني.”

لكن فجأة الأجهزة بدأت تصفر.

الدكاترة جريوا ناحية السرير، والممرضات زقوه لبرا.

وفي اللحظة دي إسكندر حس إن روحه بتتسحب.

عدت دقائق كانت أطول من عمره كله.

وأخيرًا خرج الدكتور وقال إنهم قدروا يسيطروا على النزيف، لكن فريدة هتدخل العناية المركزة وإن الساعات الجاية هي اللي هتحدد كل حاجة.

إسكندر قعد قدام العناية بالساعات، رافض يتحرك. بدلته الغالية اتبهدلت، دقنه طلعت، وعنيه حمرا من العياط. أمه حاولت تكلمه لكنه ماكانش سامع حد.

ولأول مرة من سنين… صلى.

رفع إيده وهو منهار: “يارب خد عمري كله واديهولها… بس متحرمنيش منها.”

بعد يومين، فريدة فتحت عينيها.

أول حاجة شافتها كانت إسكندر نايم على كرسي جنبها وماسك إيدها وهو مرهق لدرجة إن جسمه كله كان بيترعش في نومه.

عيطت.

ولما حس بيها وصحي، قام حضنها كأنه خايف تختفي.

الأيام اللي بعد كده غيرت إسكندر بالكامل.

بقى يدخل حضّانة الأطفال بالساعات ويبص للتلاتة كأنه بيشوف معجزة نازلة من السما. ولدين وبنت. واحد شبهه في العينين، والتاني واخد هدوء فريدة، والبنت الصغيرة كانت أضعفهم لكن أكترهم تعلقًا بإيده.

وفي يوم، دخل أوضة فريدة شايل ورق الطلاق.

هي بصت له وسكتت.

قام ولّع الورق بالنار قدامها، وسابه يتحول لرماد.

وقال: “أنا كنت راجل ضايع… لو سامحتيني هقضي عمري كله أصلّح اللي كسرته.”

فريدة ماجاوبتش بالكلام.

بس مدت إيدها تمسك إيده.

ومن اليوم ده، إسكندر اختفى منه الراجل البارد اللي عايش للشغل وبس. بقى يرجع البيت بدري. يسمع عياط عياله فيقوم يضحك بدل ما يتضايق. يشيلهم بالساعات. يعمل لفريدة

قهوتها الصبح بنفسه. ولما حد من العيلة يسأل سؤال سخيف عن الخلفه أو الوريث، كان يوقفه عند حده فورًا.
وبعد شهور، عمل حفلة كبيرة في جنينة البيت.

كل الناس المهمة كانت موجودة، رجال أعمال وصحافة ومعارف.

لكن إسكندر وقف قدامهم كلهم، شايل بنته الصغيرة، وقال بصوت ثابت:

“أكبر غلطة عملتها في حياتي إني فكرت إن النجاح فلوس وشغل. الحقيقة إن البيت اللي مافهوش رحمة وحب يبقى فاضي حتى لو كان قصر. الست دي وقفت لوحدها تحارب عشان تحافظ عليّا وعلى عيالي… وأنا ماستهلهاش. بس هفضل طول عمري أحاول أبقى الراجل اللي تستحقه.”

وفريدة وقتها كانت واقفة بعيد تبص له ودموعها بتنزل في هدوء.

لأنها عرفت أخيرًا إن المعجزة الحقيقية ماكنتش في التلات توائم…

المعجزة كانت إن قلب إنسان ممكن يرجع حي بعد ما كان ميت.

بعد حفلة استقبال التلات توائم، الناس كلها كانت فاكرة إن حياة إسكندر وفريدة بقت جنة كاملة، وإن النهاية السعيدة خلاص استقرت في بيت المنشاوي. الصور اللي اتنشرت في المجلات والمواقع كانت مثالية: رجل الأعمال الشهير شايل بنته الصغيرة، وفريدة واقفة جنبه بفستان أبيض بسيط وعينيها فيها لمعة رجعت بعد سنين وجع. لكن محدش كان يعرف إن بعض الجروح مش بتختفي بسهولة، وإن القلوب حتى لما تسامح… بتفضل خايفة.

أول شهرين بعد الولادة كانوا أشبه بحلم مرتبك. البيت اللي كان طول عمره ساكت بقى مليان أصوات رضاعة وعيّاط وضحك وخطوات ممرضات. إسكندر كان بيصحى مفزوع على أي صوت طفل، يجري حافي من أوضته، يشيل واحد ويهدهد التاني ويبص للتالت وكأنه خايف يختفي من قدامه لو غمض عينه ثانية.

فريدة كانت تراقبه من بعيد أحيانًا وتبتسم… وأحيانًا تسرح في صمت طويل.

لأن جواها كان لسه فيه خوف.

الخوف مش من إنه يسيبها… لا.

الخوف من إنها تصدق إنه بقى فعلًا مختلف، وبعدين ترجع

تتوجع لو الزمن قلب تاني.
وفي ليلة شتوية هادية، كانت الساعة قربت على اتنين بعد منتصف الليل، والبيت كله نايم، إلا فريدة.
كانت قاعدة على الكنبة في أوضة الأطفال، شايلة البنت الصغيرة “ليلى”، وبتبصلها وهي نايمة على صدرها. فجأة حسّت بإيد اتحطت على كتفها برفق.

إسكندر.

كان واقف ووشه مرهق من السهر، لكن عينيه مليانة خوف.

همس: “إنتِ لسه مانمتيش؟”

فريدة ابتسمت ابتسامة خفيفة: “بصراحة… بقيت أخاف أنام.”

عقد حواجبه: “تخافي من إيه؟”

بصت له للحظة طويلة قبل ما تقول: “أخاف أصحى ألاقي كل ده حلم.”

الكلمة نزلت عليه كأنها طعنة.

قرب منها ببطء وقعد على الأرض قدامها، وسند راسه على ركبتها وهو يقول بصوت مكسور: “أنا السبب إنك بقيتي تخافي حتى من الفرح.”

سكتت.

وهو كمل: “عارفة أنا كل يوم بصحى حاسس بإيه؟ حاسس إن ربنا اداني فرصة مستحقتهاش… وخايف ياخدها مني.”

فريدة نزلت عينيها على وشه، ولأول مرة شافت قد إيه الراجل القوي ده بقى هش.

ومن يومها، علاقتهم بدأت تتغير فعلًا… مش بالكلام، لكن بالتفاصيل الصغيرة.

إسكندر بطل يسافر بالشهور. نقل أغلب شغله للقاهرة. بقى يرفض اجتماعات مهمة عشان يحضر تطعيمات الأطفال. ولما ابنه “آدم” جاله حرارة أول مرة، إسكندر دخل المستشفى بيزعق في الدكاترة ووشه أصفر من الرعب كأنه طفل صغير.

الدكتور ضحك يومها وقال: “يا أستاذ إسكندر ده دور برد عادي.

”
لكن إسكندر كان حاسس إن قلبه هيقف.

لأن العيال التلاتة بقوا نقطة ضعفه الحقيقية.

خصوصًا “ليلى”.

ليلى كانت أضعف التلاتة صحيًا، واتولدت بوزن قليل جدًا. كانت بتتعب بسرعة، وتدخل حضّانة أكتر من مرة. وكل مرة كانت فريدة تنهار من الخوف، وإسكندر يبقى جنبها ماسكها بإيده كأنه بيسند نفسه بيها.

وفي مرة، بعد ما خرجوا من المستشفى على الفجر، فريدة بصت له وهي مرهقة وقالت: “لو رجع بيا الزمن… كنت هعمل نفس الحاجة.”

إسكندر فهم تقصد إيه.

تقصد إنها كانت هتتمسك بالأطفال حتى لو حياتها في خطر.

دموعه نزلت فورًا.

وقال: “ولو رجع بيا الزمن… كنت هشيلك فوق راسي من أول يوم بدل ما أسيبك لوحدك.”

لكن الحياة عمرها ما بتدي حد راحة كاملة.

بعد حوالي سنة من الولادة، بدأت فريدة تتعب بشكل غريب.

دوخة مستمرة، إرهاق، وآلام حادة كانت بتحاول تخبيها.

في الأول قالت ده تعب طبيعي من الأطفال، لكن إسكندر لاحظ إنها بقت تسكت كتير، تسرح، وتنام وهي قاعدة.

وفي يوم، كانت بتحضر رضاعة “ياسين”، وفجأة الكوباية وقعت من إيدها وجسمها كله مال على الأرض.

إسكندر حس وقتها إن الدنيا رجعت تسحب منه كل حاجة.

جرى عليها وشالها وهو بيصرخ باسمها بطريقة أفزعت البيت كله.

رجعوا المستشفى…

نفس الممرات… نفس الريحة… نفس الرعب القديم.
ولما الدكتور طلب يقابل إسكندر لوحده، قلبه وقع.

قاله إن الحمل الصعب والنزيف اللي حصل وقت الولادة أثروا على جسم فريدة بشكل كبير، وإن قلبها بقى أضعف من الأول، ولازم ترتاح تمامًا وإلا أي ضغط زيادة ممكن يعمل مضاعفات خطيرة.

إسكندر خرج من المكتب ووشه أبيض.

ولأول مرة، حس إنه عاجز.

دخل أوضتها، لقاها مبتسمة رغم التعب.

قالت بهدوء: “مالك؟”

قعد جنبها ومسك إيدها بقوة: “أنا تعبت من خوفي عليكي.”

فريدة ضحكت بخفة: “أنا لسه هنا أهو.”

لكن إسكندر هز راسه بعنف: “لأ… إنتِ ماتعرفيش أنا كل مرة بخاف أفقدك إزاي… أنا مستحملتش فكرة إني كنت هضيعك بإيدي مرة.”

الكلام خرج منه وهو بيعيط.

فريدة اتأملته طويلًا… وبعدين قربت إيدها من وشه ومسحت دموعه.

وقالت: “إسكندر… إحنا الاتنين اتوجعنا. بس ربنا نجانا عشان نعيش… مش عشان نفضل خايفين.”

الجملة دي علقت في قلبه.

ومن بعدها، بدأ يغيّر حياته أكتر وأكتر.

فوّض جزء كبير من شغله، وقضى أغلب وقته في البيت. بقى يعمل الفطار بنفسه، ويلبس العيال، ويقعد بالساعات يلعب معاهم على الأرض. العمال والخدم في البيت كانوا يبصوا لبعض باستغراب من الراجل اللي زمان كان صوته يهز شركة كاملة،

ودلوقتي قاعد يبني برج بالمكعبات مع عياله ويضحك من قلبه.
وفي يوم، فريدة نزلت لقت الحديقة كلها متزينة بأنوار صغيرة.

استغربت.

خرج إسكندر من وسط الجنينه شايل ليلى، وآدم متعلق في رجله، وياسين بيجري وراه، وقال: “فاكرة أول حلم قولتيه بعد الجواز؟”

ابتسمت وسط دموعها: “البيت اللي فيه عيال بيجروا حفايه على النجيلة؟”

إسكندر بص حواليه وقال: “أهو… الحلم جه متأخر، بس جه.”

فريدة وقتها ماقدرتش تتمالك نفسها.

انهارت في العياط.

مش عياط حزن…

عياط واحدة قلبها أخيرًا صدّق إنه ارتاح.

وفي نفس الليلة، بعد ما الأطفال ناموا، وقفت فريدة في البلكونة تبص للقاهرة وهي هادية بشكل نادر.

إسكندر خرج وقف جنبها.

قالت فجأة: “عارف أكتر حاجة كانت بتكسرني زمان؟”

بصلها باهتمام.

همست: “إني كنت حاسة إني ناقصة… وإني مهما عملت مش هكفيك.”

إسكندر لفّها ناحيته بسرعة وقال بحزم: “إوعى تقولي كده تاني. إنتِ عمرك ما كنتِ ناقصة… أنا اللي كنت أعمى.”

وسكت ثانية قبل ما يضيف بصوت مخنوق: “إنتِ الست الوحيدة اللي حبتني وأنا مستاهلش.”

فريدة حطت راسها على صدره.

ولأول مرة من سنين طويلة… حس الاتنين إنهم فعلًا رجعوا لبعض.

مش زي زمان.

أعمق.

أنضج.

وأقوى.

وفي أوضة الأطفال،

كان التلاتة نايمين جنب بعض بسلام… غير مدركين إن وجودهم ماكانش بس رزق لطفلين اتمنوا الخلفة.
كان نجاة لعيلة كاملة كانت على حافة الانهيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *