الـتنازل الإجـباري كـاملة حكـايات منـي الـسـيد
احنا قررنا نكتب الشقة باسم ابني بس.. وإنتِ عليكِ تتنازلي عن حصتك، قالتها حماتها بكل برود.
بلهجة هادية ومستقرة، كملت ميرفت وهي بتشرب الشاي من فنجان بورسلين بحواف ذهبية احنا شايفين إن الشقة لازم تدخل باسم أحمد بس.
وقفت رانيا مذهولة، والقلم لسه في إيدها. على ترابيزة المطبخ كان محطوط عقد البيع الابتدائي، وجنبه دوسيه كبير فيه ورق التمويل العقاري، وبره كان مطر أكتوبر البارد بيخبط على الشباك.
يعني إيه باسم أحمد بس؟ رانيا حست بريقها نشف احنا شاريينها مع بعض! أنا بعت شقتي اللي حيلتي…
ما إنتِ هتكوني ضامنة ومشاركة في القرض، قالت الحما وهي بتميل وتحط الفنجان على الطبق بتاعه بحرص، وكملت هتدفعوا القسط سوا وده اللي البنك طالبه.. بس هو اللي هيكون المالك. كده أضمن للكل. حكايات مني السيد.
رانيا سابت القلم براحة على الترابيزة، وحست برعشة بتجري في جسمها كله يعني أنا أدفع النص.. وفي الآخر الشقة مش بتاعتي؟!.
أحمد كان قاعد قصادها، باصص في مفرش الترابيزة ومقفل بقه تماماً. حماتها ميرفت كانت لمه إيديها على الترابيزةهادية، وواثقة، وكأنهم بيتكلموا عن حالة الطقس. متوفرة على روايات و اقتباسات يا حبيبتي يا رانيا، بلاش دراما.. إنتو عيلة واحدة في النهاية.
كل حاجة بدأت من ست شهور، في الربيع. رانيا كانت قاعدة في مطبخ شقتها الصغيرة أوضة وصالة، بتراجع أرقام ميزانية البيت على شيت إكسيل. أحمد دخل من باب الشقة وخلع جاكيته وقال رانيا، أمي كلمتني.. عندها لقطة شقة مش هتعوض.
شقة إيه؟ رانيا رفعت عينها من اللاب توب متوفرة على روايات و اقتباسات
بتقول ده أنسب وقت ناخد فيه تمويل عقاري، الأسعار هتولع بعد كده ومش هنلحق نشتري حاجة.
الشقة دي كانت ملك رانيا من قبل الجواز، جدتها سابتهالها.. مساحتها يدوب 60 متر. بعد الجواز، رانيا وأحمد كانوا حاسين إن المكان ضيق عليهم بشكل خانق.
رانيا سألته وطيب والمقدم؟ هنجيبه منين؟. حكايات مني السيد
هنبيع شقتك دي.. أمي سألت وسوق العقارات دلوقتي شغال والأسعار حلوة في إعادة البيع.
تاني يوم، كانت حماتها ميرفت في المطبخ ومعاها خطة عمل كاملة؛ مطبوعات من مواقع العقارات، وحسابات، وأرقام سماسرة.
قالت ميرفت وهي بتشاور بالقلم على الورق بصوا يا ولاد، شقة رانيا تجيب لها بتاع 2 مليون جنيه، وده يكفي وزيادة مقدم لشقة تلات أوض في كومباوند جديد.. وأحمد بما إنه المقترض الأساسي، البنك هيديله فايدة كويسة.
رانيا استغربت وسألت وليه هو المقترض الأساسي؟ أنا كمان بشتغل ومفردات مرتبي رسمية!.
ردت ميرفت مرتبه أعلى يا حبيبتي، والبنك بيثق في شغل الرجالة أكتر.
رانيا كانت هتعترض، بس أحمد طبطب على كتفها وقال أمي عندها حق يا رانيا.. كده الإجراءات هتخلص أسرع.
الشهور اللي بعد كده مرت في جري وتجهيز ورق. رانيا باعت شقتها بسرعةبسرعة زيادة عن اللزوم. وفي نفس الوقت
كانت بتدرس عروض البنوك، وتحسب الأقساط بالمليم. في الإجازات كانوا بيروحوا موقع البناء يشوفوا عماراتهم وهي بتتبني. رانيا اختارت سيراميك الحمام، صممت المطبخ، وحرمت نفسها من حاجات كتير عشان تحوش لمصاريف التشطيب.
هنا هتبقى أوضتنا، أحمد كان بيقولها وهو واقف وسط الطوب الأحمر والخرسانة.. وهنا أوضة الأطفال.
ميرفت كانت معاهم خطوة بخطوةبتوجه، وبتشور، وبتقرر.
في يوم قالت أنا حددت ميعاد مع البنك بكرة.. خدي إجازة يا أحمد.
رانيا سألته وأنا؟.
ردت حماتها إنتِ؟ خليكِ في شغلك، احنا هنخلص كل حاجة.
أول جرس إنذار ضړب في البنك. الموظفة الشابة كانت بتتكلم مع أحمد وميرفت وبس أستاذ أحمد، الدخل تمام.. ومدام ميرفت بصفتها الضامن مخلصة كل الأوراق…
رانيا حاولت تتدخل بس أنا كمان شريكة في القرض ده!.
الموظفة هزت رأسها من غير ما تبص لها اه طبعاً.. عموماً الأستاذ هيوقع هنا وهنا.
لما رانيا طلبت تقرأ العقود، حماتها اتنهدت بملل يا رانيا الوقت متأخر.. ابقي اقرأيهم in البيت.
بس العقود مصلتش البيت؛ فضلت في البنك للمراجعة. رانيا بدأ القلق يأكلها.
أحمد، وريني العقد.
ليه يا بنتي؟ أمي راجعت كل حاجة خلاص متوفرة على روايات و اقتباسات
عايزة أشوفه بنفسي، دي شقتي أنا كمان!.
أحمد طمنها وقال يا حبيبتي طبعاً بتاعتك، احنا عيلة.. تفرق إيه مكتوبة باسم مين؟.
بس رانيا كانت عقلانية، وبتحسب كل خطوة. بالليل، بعد ما أحمد نام، قعدت على الترابيزة ومعاها آلة حاسبة ونوتة.. وبدأت تجمع
شقتها اللي اتباعت جابت 2 مليونيعني 70 من تمن المقدم.
مرتبها هيغطي نص القسط الشهري.
وفلوس تحويشها هتروح في التشطيب.
لكن اسمها ملوش أي أثر في مسودات العقود اللي لمحتها!
قعدت رانيا في المطبخ الضلمة لشقتهم الإيجار، بتكتب الأرقام والمطر بره بيزيد.. أحمد جوة نايم في عسل وسكون.. وهي حاطة كل اللي تملكه في الهوا، ومش واخدة أي ضمان.
رانيا قرت السطر الأخير في العقد للمرة التالتة
المشتري أحمد سيد أحمد عبد العال
هو وبس.. مفيش أي إشارة ليها.
صوت رانيا اتهز وهي بتقول مدام ميرفت.. أنا حاطة فلوس شقتي كلها هنا، ليه اسمي مش في العقد؟.
الحما سابت الكوباية وبصتلها وكأنها بتتعامل مع طفلة ساذجة يا رانيا مش كبرنا على الكلام ده؟ إنتِ ضامنة في القرض، وهتدفعي مع جوزك.. دي مشاركة ومسؤولية بتقوي البيت.
بس الملكية…
قاطعتها ميرفت بحسم الملكية لازم تكون باسم الراجل.. الأصول بتقول كده، الراجل لازم يكون متأمن.. عشان لو حصل أي حاجة.
رانيا حست إن الأرض بتهرب من تحت رجليها حاجة زي إيه مثلاً؟.
ردت الحما ببرود يعني.. لا قدر الله، ومحدش عارف الزمن فيه إيه.. طلاق مثلاً! أحمد ساعتها مش هينفع يترمي في الشارع.
دموع رانيا غلبتها وقالت بصوت مخڼوق وأنا؟.. يعني أنا اللي أترمي في الشارع؟!.
حماتها ردت عليها بكل قسۏة بلاش كلام فارغ يا بنتي.. إنتو بتحبوا بعض وهتعيشوا سوا.
رانيا كانت باصة للورق، والأرقام بدأت تتهز وتتموه
قدام عينيها. يعني هي هتفضل مسؤولة وملزمة قدام البنك بالتمويل العقاري ده لمدة عشرين سنة كاملة! هتدفع وهي ساكتة، بس الشقة مش بتاعتها ولا ليها فيها سنتيمتر واحد.. لو حصلت أي مشكلة أو هزة في الجوازة دي، هتعيش وتلاقى نفسها خسړت كل حاجة فلوس شقة جدتها اللي اتباعت، والشقة الجديدة، وفوق كل ده هتفضل تدفع في أقساط قسط ورا قسط لحاجة مش ملكها!
أحمد كان قاعد زي الصنم، باصص في شاشة تليفونه ومتهرب من عينيها تماماً.
الليلة دي، رانيا معرفتش تدوّق النوم. كانوا لسه عايشين في شقة إيجار جديد مؤقتةخطوة انتقالية بعد ما باعت شقتها ال 60 متر. أحمد نام فوراً وكأن مفيش حاجة حصلت، أما هي ففضلت صاحية، عيونها سارحة في سقف الأوضة والدهان المقشر بتاعه.
قامت رانيا براحة من غير ما تعمل صوت ودخلت المطبخ. قعدت على كرسي جمب الشباك، وضمت ركبها لصدرها. من ورا الإزاز، كانت أنوار قاهرة أكتوبر الهادية بتنور وتطفي من بعيد. هناك.. في الحي الجديد، كانت شقتهم المستقبلية بتناديهم، 150 متر وبتطل على جنينة واسعة. بكرة الصبح المفروض يروحوا البنك يوقعوا العقود النهائية.
افتكرت فجأة شقتها القديمة اللي باعتها.. مطبخها الصغير الدافي، وقصيّة زرع الجرانيوم الخبيزة اللي كانت على حرف الشباكالزرعة دي كانت بتاعة جدتها الله يرحمها. افتكرت خشب الأرضية اللي بيزيق وحفظت نغمته، شكل الشارع القديم والعيال وهي بتلعب تحت البيت في المغربية. افتكرت يوم ما قفلت باب الشقة دي لآخر مرة وهي بتسلمها للمشتري.. يومها طبطبت على الحيطة وهمست للأوض الفاضية سامحيني.. أنا بعتك عشان حلم البيت الكبير اللي هيجمع عيلتي.
والنهاردة بتكتشف إن البيت الكبير مش هيكون بيتها! هي دافعة 2 مليون جنيهكل ما تملك في الدنيا. وهتقعد عشرين سنة تدفع نص مرتبها للبنك.. وهي اللي اختارت ألوان الدهانات، ورسمت المطبخ خشب وماربل، وحلمت بأوضة الأطفال اللي شباكها كبير وبيجري فيه الشمس.
كل ده هيتكتب باسم أحمد.. وهي مجرد شريك ضامن؛ يدفع بس، ومن غير أي حق في الحيطة اللي بتسند عليها.
كان الدوسيه اللي فيه ورق بكرة محطوط على الترابيزة. رانيا فتحته بإيد بتترعش وقرت السطر ده تاني المشتري أحمد سيد أحمد عبد العال.. هو وبس.
دمعة نزلت من عينها ولمست الورق. بره، كانت خيوط الفجر الأولى بتطلع وتلون عمارات أكتوبر الرمادية بلون وردي دافي. كان باقي ساعات قليلة على ميعاد البنك.. ساعات قليلة عشان تاخد القرار الأخطر في حياتها توقع ولا ترفض?
الصبح طلع، والشمس كانت مالية المكان. رانيا منمتش دقيقة واحدة، بس حست بصفاء ذهني غريب وقوة مش عارفاها. جهزت الفطار، واستنت أحمد لما صحي، وقعدت قصاده على الترابيزة وبصت في عينه
يا إما الشقة تتكتب باسمنا احنا الاتنين بالنص، خمسين خمسين.. يا إما أنا مش هروح البنك
النهاردة ومش هإمضي على حاجة.
أحمد شرق بالقهوة وبص لها بذهول
رانيا! إنتِ بتقولي إيه؟ ميعاد البنك كمان تلات ساعات!.
ردت بثبات عارفة.. ومش هتحرك من مكاني لو الشروط دي متعدلتش.
في اللحظة دي رن جرس الإنتركم.. كانت حماتها ميرفت وصلت تحت عشان يروحوا البنك سوا بالمرة.
يعني إيه مش هتروحي؟!.. حماتها دخلت الشقة باندفاع ومن غير حتى ما تقلع جزمتها، وبصت لابنها بزعيق أحمد! إيه الهبل اللي مراتك بتقوله ده؟!.
رانيا وقفت وردت بكل هدوء أنا بطلب حقي يا مدام ميرفت.. الشقة لازم تتكتب باسمنا احنا الاتنين، أنا دافعة أكتر من نص تمنها من شقة عمري.
إنتِ بتخربي كل حاجة ليلة الفرح! صوت الحما عِلي وبقى صړيخ عشان دلعك وعنادك هنخسر جدية الحجز والمطور مش هيستنانا والشقة هتروح!.
ده مش دلع، رانيا صلب طولها أنا مش هسمح لأي حد يستغلني.
أحمد بدأ يتهز وبص لأمه يا أمي.. يمكن هي عندها حق فعلاً، دي حاطة فلوسها كلها…
اسكت إنت! زعقت ميرفت بحسم، ولفت لرانيا وعينها بتطلع شرار هتمضي ولا لأ؟.
رانيا بصت لها وقالت لأ.. بالشروط دي، لأ..متوفرة على روايات و اقتباسات..
بعد ساعة، كانوا قاعدين في مكتب مدير فرع البنك. الموظف كان بيقلب في الورق بقلق وتوتر واضح
يا جماعة، تعديل هيكل الملكية دلوقتي وصيغة عقد التمويل العقاري صعب جداً.. ده معناه إننا هنلغي الطلب ونعيد الإجراءات والدراسة الائتمانية من الأول وجديد… حكايات مني السيد
رانيا قطعت كلامه وقالت بقوة أنا برفض تماماً أكون ضامن أو شريك في القرض من غير ما أكون مالك للنص. وفلوس شقتي اللي اتباعت لسه في حساب الوساطة بتاعكم.. يا تعدلوا العقود، يا ترجعوا لي فلوسي فوراً.
رانيا، عشان خاطري بلاش فضايح.. أحمد كان بيبص لها برجا وضعف.
رانيا بصت له في عينه وقالت الكلمة الأخيرة اختار يا أحمد.. يا إما تمشي بالعدل والأصول in بيتك، يا إما تسمع كلام مامتك وتتحمل النتيجة.
ميرفت كانت بتغلي من الڠضب، بس سكتت لما لقت رانيا مابتتهزش. المكتب كله غرق في صمت رهيب.. صمت كان بيعلن نهاية كل حاجة.
بعد تلات شهور..
كانت رانيا قاعدة في مطبخ شقة إيجار صغيرة في وسط البلد. مطبخ يدوب اتنين متر، تلاجة قديمة بتزن، والشباك بيطل على منور العمارة اللي جمبهم.
على الترابيزةكان اللاب توب مفتوح على مواقع التوظيف، وجنبه كوباية نسكافيه. حكايات مني السيد
البيعة باظت في البنك يومها.. وأحمد اختار أمه.
قالها وهو ماشي احنا هنصرف.. ومن غير فلوسك. أمي هتتصرف لي في مقدم تاني. متوفرة على روايات و اقتباسات
ردت عليه رانيا وهي بتعدل شنطتها وريني هتعملها إزاي.. وسابت البنك ومشيت.
فلوس شقتها رجعت لحسابها بعد أسبوع، وبعدها بأسبوع كمان كانت لمت حاجتها وعزلت.
أحمد اټهجم عليها وهو بيودعها وقالها بغل إنتِ أنانية.. عشان برستيجك وعنادك ضيعتي مننا شقة العمر.. أمي كان عندها
حق، إنتِ متنفعيش تكوني ليكي عيلة ولا بتفهمي في الأصول.
ردت عليه رانيا وهي بتقفل باب الشقة وراها أنا متنفعش أكون في عيلة بتتعامل معايا على إني مكنة ATM بنسحب منها وقت اللزوم.
دلوقتي هي مأجرة الشقة دي في منطقة هادية.. العفش بسيط سابوه السكان اللي قبلها، والدهان قديم، والخشب بيزيق.. بس على الترابيزة كان محطوط عقد الإيجار وفيه اسمها هي.. رانيا رأفت.. لوحدها، بالخط العريض.
تليفونها نور.. رسالة من سمسار عقارات
باشمهندسة رانيا، لقيت لك لقطة. شقة تمليك أوضتين وصالة في مصر الجديدة، مكان ممتاز.. محتاجة توضيب بسيط بس سعرها لقطة وجوة الميزانية بتاعتك بالمليم.. نشوفها بكرة؟.
رانيا ابتسمت وكتبت له تمام.. بكرة الساعة 5 نتقابل.
أخدت بق من النسكافيه وبصت بره الشباك. ال 2 مليون جنيه لسه في حسابها في البنك.. هما أمانها هما حريتها. الفلوس دي تشتري لها شقة صغيرة تمليك من غير ما تمضي على وصل أمانة واحد أو شيك لبنك.. شقة بتاعتها هي وبس.. بجد.
في ركن المطبخ، على حافة الشباك، كانت قصيّة زرع الجرانيوم بتاعة جدتها محطوطة.. الحاجة الوحيدة اللي أصرت تاخدها معاها من بيتها القديم. الزرعة اللي استحملت النقل والعزيل مرتين، كانت مطلعة النهاردة زهور حمراء صغيرة بتفتح للدنيا.
همست رانيا للزرعة وهي بتمسح على ورقها الأخضر خلاص يا حبيبتي.. قربنا ننقل لبيتنا.. بيتنا احنا وبس.
النهاية حكايات مني السيد
بقلم مني السيد
