“مليونير أعلن إفلاسه رجع بيته
مليونير أعلن إفلاسه رجع بيته فجأة ومن غير ميعاد، قفش الشغالة بتاعته في أوضة الضيوف وحواليها تلال من الفلوس الكاش الكثيرة.. ولما شافته بصت في عينه وقالت ببرود كل جنيه هنا ملكك أنت يا بيه!
في سن الثامنة والخمسين، بقى عدلي كمال من نوعية الرجالة اللي الناس مابتجيبش سيرتهم إلا في السايت والوشوشة ورا الأبواب المقفولة.
قبل سنة واحدة بس، كان اسمه ليه هيبة ووزن في سوق المقاولات كله؛ شركته كانت بتبني أبراج سكنية فخمة، وقرى سياحية على البحر، ومشاريع بمليارات من الإسكندرية لحد أسوان. المسؤولين كانوا بيتصوّروا معاه علني، والمستثمرين بيقطعوا بعض عشان يجيلهم دعوة لحفلاته، وستات المجتمع كانوا بيضحكوا بصوت عالي أوي على أي نكتة بيقولها.
وفجأة.. كل حاجة اتهدت فوق دماغه.
٣ شركاء كبار من الشركة اختفوا وفص ملح وداب بعد ما سحبوا ملايين من حسابات الشركة عن طريق رخص مزورة، وعقود وهمية، وشركات تحت السلم. القضايا نزلت عليه زي المطر، والبنوك جمدت كل أرصدته، والنيابة فتشت مكاتبه، والقنوات الإخبارية بقت بتكرر اسم عدلي كل ليلة وجنبها كلمات زي النصب، والفساد، والإفلاس.
الفيلا بتاعته اللي في التجمع هي الوحيدة اللي نجت من الحجز.. يدوب بالعافية.
وكل حاجة تانية اختفت وضاعت.
العربيات السبور الفخمة اتسحبت منه أول حاجة.
وبعدها الشاليهات والأراضي.
وبعدها اليخت اللي في مارينا.
مراته شاهيناز الهواري استحملت الوضع ده بالظبط أسبوعين اثنين، قبل ما تلم شنط الهدوم الماركات والمجوهرات الغالية وتمشي مع محامين الطلاق وقضايا النفقة.
مفيش غير شخص واحد بس هو اللي رضي يقعد ويستحمل.
الست
روحية.
كانت بتوصل الفيلا كل يوم قبل الفجر وهي لابس نفس العباية الزرقاء الباهتة، شعرها اللي ماليه الشيب ملموم لورا بنظام، وإيديها الشقيانة الخشنة بتبدأ شغل وتتحرك قبل ما عدلي يفتح عينه أصلاً.
بقالها ١٥ سنة كاملة، روحية بتنظف الفيلا في سكات تام لدرجة تخليك تحس إنها مخفية ومش موجودة.
كانت بتطبخ له أكله.
وتمسح أرضيات الرخام.
وتسقي الزرع في الجنينة.
وبتتفادى وبتعمل نفسها مش سامعة صوته وهو بيعيط وبيموت من القهر جوة مكتبه في نص الليل.
وفي يوم الصبح والجو كان مطر، الخجل والكسرة جبروا عدلي إنه يتكلم أخيراً.
بص في كوباية القهوة الساقعة وقال بنبرة مكسورة يا روحية.. أنا مابقتش قادر أدفع لك مرتبك.
حطت صينية الفطار براحة واهتمام.
كمل كلامه بمرارة وقهر لازم تمشي وتسيب البيت ده أنتِ كمان قبل ما ييجوا يحجزوا عليه وياخدوه؛ أنا أصلاً مديون لك بمرتب كام شهر فاتوا.
روحية بصت له بنظرة حزن عميقة أوي لدرجة ضايقته وعصّبته أنا عارفة مكاني فين يا عدلي بيه، وعارفة أنا بنتمي لمين.
ضحك عدلي ضحكة ناشفة وفاضية من جواها هنا؟ مع راجل عجوز ومفلس ومبقاش حيلته اللضم؟
ردت عليه بصوت ناعم وفيه رضا أيوه.. وخصوصاً هنا.
الرد ده هز كيانه وقلقه أكتر من أي مكالمة تهديد جاتله من الدائنين وأصحاب الفلوس.
سألها بصوت واطي ليه؟ ده الكل سابني وهرب.
روحية طبقت إيديها بهدوء فوق المريلة بتاعتها وقالت لأن البيت لما بيقع ويتهاوى.. لازم حد يفضل واقف جواه وسط الأنقاض عشان يدور على الحاجة الغالية المستخبية.
وقابل ما عدلي يلحق يسألها تقصد إيه بكلامها ده، تليفونه رن.
كان شاكر، صاحبه أيام كلية الهندسة، وكان بيتكلم بحماس مبالغ فيه وحنية مصطنعة عدلي يا صاحبي! لازم تيجي تتعشى معايا بكره بالليل.. مراتي كل شوية تسألني عليك وعاوزه تطمن.
عدلي كان خلاص هيرفض علطول من غير تفكير.
الصعبانية والشفقة ليهم ريحة وحشة.. وهو شم الريحة دي في كلام صاحبه فوراً.
بس أول ما قفل الخط، لقى روحية واقفة بتبص عليه من باب المطبخ.
قالت له لازم تروح.
عدلي تّنح بمرارة أروح ليه؟ عشان يقعدوا يبصوا للمليونير المفلس ويشمتوا فيا وهم بيعملوا نفسهم زعلانين؟
روحية كملت تلميع الأطباق وقالت أنت بتتصرف كأنك راجل بيتمرن على جنازته ومستني الموت.
تاني يوم بالليل، فضلت ورا بدلة عدلي الرمادي القديمة تكويها وتصلحها لحد ما رجعت شكلها محترم ويليق بيه. ركب عربيته القديمة اللي بقت بتكركب وتعمل صوت أول ما يقف في إشارات المرور، ومشى بيها في شوارع القاهرة لحد ما وصل بيت صاحبه شاكر.
أول ما وصل، لقى أنوار البيت والمدخل كلها مطفية.
ومفيش غير ورقة صغيرة متطبقة ومحطوطة تحت عقب الباب.
وطى عدلي وجابها وقرأ المكتوب
عدلي يا صاحبي، حصلت حالة طوارئ في العيلة واضطرينا ننزل فجأة ونسافر. هكلمك بعدين. معلش، حقك عليا.
عدلي قرأ الورقة مرتين.
مكنش فيه أي حالة طوارئ ولا حاجة.
دي كانت مجرد قلة ذوق وإهانة متغطية في شكل أدب واعتذار كداب.
ساق عربيته وهو راجع بيته ومكلبش في الدريكسيون بكل غل وقهر لدرجة إيديه تشنجت من العصبية.
الفيلا كانت هادية وساقطة في سكوت غريب أول ما خطى رجله جوه.
مفيش صوت قرآن ولا موسيقى طالعة من المطبخ.
ولا ريحة أكل شغال على البوتاجاز.
ولا صوت روحية وهي بتدندن بصوت واطي وهي بتنظف زي كل يوم.
زعق بصوت عالي روحية؟ أنتِ فين؟
محدش رد.
طلع السلم براحة، والتعب والهم كأنهم جبل تقيل كابس على صدره ومش قادر يتنفس.
وفي نص الطرقة بتاعة الدور الفوقاني، لمح خط نور أصفر طالع من تحت باب أوضة الضيوف المقفولة.
الباب مكنش مقفول للآخر، كان موارب حاجة بسيطة.
عدلي مد إيده وزق الباب وفتحه على الآخر..
وفي اللحظة دي، نَفَسه اتكتم، ونسي إي الروح بتطلع وتدخل إزاي من الصدمة الرهيبة اللي شافت عينه!
يا ترى عدلي شاف إيه جوة الأوضة مع الست روحية خلاه يتصدم والصوت يروح منه؟ وإيه السر الرهيب اللي الشغالة مخبياه بقالها ١٥ سنة وملايين الفلوس الكاش دي جات منين في الوقت اللي هو فيه على الحديدة؟ وإزاي اللحظة دي هتقلب موازين البيزنس في مصر كلها وهترجع المليونير المفلس لقمة السوق تاني بس بطريقة عمر ما مخلوق يتخيلها؟
أوضة الضيوف كانت متحوّلة لحاجة شبه الخزنة السرية!
السرير الكبير متشال من مكانه، والسجادة الملفوفة مترمية على جنب، وفي نص الأوضة تلال فلوس كاش مرصوصة فوق بعضها!
رزم دولارات.
يورو.
وجنيهات مصرية.
وشنط جلد مفتوحة مليانة أوراق وعقود وأختام شركات.
أما روحية
فكانت قاعدة على الأرض وسط كل ده، لابسة عبايتها الزرقا الباهتة كأن مفيش حاجة غريبة بتحصل، وبتعدّ رزم الفلوس بمنتهى الهدوء.
عدلي حس إن رجليه مش شايلاه.
بص للفلوس وبعدين لها.
وصوته خرج بالعافية إيه ده؟!
روحية رفعت عينيها ناحيته، ومن غير ذرة خوف قالت كل جنيه هنا ملكك أنت يا بيه.
عدلي ضحك ضحكة متقطعة ومجنونة أنا شكلي اتجننت خلاص ولا دي نهاية الإفلاس؟!
لكن روحية قامت بهدوء، ومسحت إيديها في المريلة، ومشت ناحية الدولاب القديم في أوضة الضيوف.
طلعت ملف بني سميك.
وحطته قدامه.
لمحة نيوز
افتح.
عدلي فتح الملف وأول ورقة شافها خلت الدم يهرب من وشه.
تحويلات بنكية.
بأسامي الشركات الوهمية اللي شركاؤه الهاربين استخدموها.
وصور جوازات سفر.
وعقود مزورة.
وأرقام حسابات سرية برة مصر.
وإقرارات مكتوبة بخط إيد شركاؤه.
عدلي رفع عينه بصدمة إنتِ جبتي الحاجات دي منين؟!
روحية ردت بمنتهى البرود من ١٥ سنة وأنا شغالة عندك كنت بتنضف البيت وأنا بنضف كمان الزبالة اللي حواليك.
عدلي فضل باصص لها ومش فاهم.
روحية قربت من الشباك، وبصت للمطر برا شركاؤك مكنوش بيخافوا منك يا عدلي بيه كانوا بيخافوا من إنك ذكي. عشان كدة فضلوا سنين يضحكوا عليك بابتسامات وحضن وكلمة يا صاحبي.
سكتت ثانية.
بس أنا كنت بشوف.
عدلي افتكر حاجات كتير فجأة
مرات كان يدخل مكتبه يلاقي ملفات متصورة ويرجع يقول أكيد نسيها.
مرات كان يكتشف غلطة في عقد قبل الإمضاء بثواني.
مرات كان يلاقي ورق ناقص ويرجع يظهر فجأة.
طول السنين دي
حد كان بيحميه من غير ما يحس.
والحد ده
كان روحية.
قال بصوت متحشرج إنتِ
مين؟
روحية ابتسمت لأول مرة ابتسامة صغيرة وحزينة أنا أرملة محاسب الشركة القديم.
عدلي اتجمد.
المحاسب حسين الدمنهوري الراجل اللي مات في حادثة غامضة من ١٥ سنة!
الراجل الوحيد اللي حذره زمان من شركاؤه.
لكن عدلي وقتها مكذبوش بس طرده.
روحية كملت جوزي مات وهو بيحاول يحميك من السرقة. وقبل ما يموت اداني كل المستندات دي، وقالي لو جه يوم وعدلي وقع، ترجعي له حقه.
عدلي حس الأرض بتميد بيه.
وليه مستنيتيش كل ده؟!
لأنك زمان كنت مغرور.
الكلمة ضربته أقوى من أي إهانة.
روحية قربت منه كنت فاكر إن الفلوس والسلطة هما اللي بيحموا الراجل. كان لازم تقع الأول عشان تعرف مين اللي فضل جنبك فعلًا.
في الليلة دي
عدلي معرفش ينام.
فضل قاعد وسط الفلوس والورق لحد الفجر.
كل شوية يبص لروحية وهي بتعمل له شاي، أو بترتب الملفات، ويحاول يستوعب إن الست اللي كان بيعتبرها مجرد شغالة
طلعت أكتر إنسان وفيّ في حياته كلها.
وبعد ٤٨ ساعة بس
القنبلة انفجرت.
عدلي سلّم كل المستندات للنيابة.
والبلد كلها اتقلبت.
٣ رجال أعمال كبار اتحطت أساميهم على قوائم المنع من السفر.
حسابات سرية اتقفلت.
وشركات وهمية اتفضحت.
والأهم
إن عدلي طلع بريء رسميًا.
القنوات اللي كانت بتشتمه بقت تستضيفه.
والناس اللي هربت منه رجعت تتصل.
لكن المرة دي
عدلي مبقاش نفس الراجل.
بعد أسبوع
صاحبه شاكر جه الفيلا بنفسه.
واقف يضحك بتوتر حقك عليا يا عدلي، الظروف ساعتها
عدلي قاطعه بابتسامة باردة أنا اتعلمت حاجة مهمة يا شاكر الناس مبتبانش غير وقت الخراب.
وشاور للحارس وصل الأستاذ للباب.
شاكر خرج ووشه محروق من الإهانة.
أما شاهيناز
فأول ما عرفت إن عدلي رجع السوق أقوى من الأول، حاولت ترجع.
وقفت قدام الفيلا بفستان غالي ونضارة سودة وكأنها مراته المخلصة اللي عمرها ما سابته.
لكن الباب اتفتح
وروحية هي اللي وقفت قدامها.
شاهيناز اتصدمت إنتِ؟!
روحية قالت بهدوء البيه مشغول.
شاهيناز حاولت تدخل أنا مراته!
وفي اللحظة دي
عدلي ظهر من وراها.
لكن بدل ما يبصلها
راح وقف جنب روحية.
وقال بمنتهى الهدوء الست دي وقفت معايا وأنا واقع. أما إنتِ، بعتي ٣٠ سنة جواز بأول يخت اتسحب مني.
شاهيناز حسّت بالإهانة تخنقها.
وقبل ما تمشي، سمعت عدلي بيقول للحراس من النهاردة أي حد يدخل البيت ده لازم يستأذن من الست روحية الأول.
الشهور عدت
وعدلي رجع أقوى من زمان.
لكن الغريب إنه مبقاش يحب الحفلات، ولا رجال الأعمال، ولا الصحافة.
كان يقضي أغلب وقته في الجنينة الخلفية، يشرب شاي مع روحية وقت الغروب.
وفي يوم، سألها إنتِ ليه فعلًا فضلتي؟
روحية سكتت شوية.
وبعدين قالت لأن جوزي قبل ما يموت قالي إنك راجل كويس ضايع وسط ناس وحشة. وأنا صدقته.
عدلي بص لها طويل
ولأول مرة من سنين طويلة جدًا
حس إنه مش لوحده.
وبعد سنة كاملة
الناس كلها اتفاجئت بخبر صغير نزل في الجرايد الاقتصادية
رجل الأعمال عدلي كمال يعلن تعيين السيدة روحية الدمنهوري شريكًا رسميًا ورئيسًا لمجلس أمناء مؤسسته الخيرية الجديدة.
الصحافة استغربت.
ورجال الأعمال اتريقوا في الأول.
لكن عدلي كان مبتسم.
لأنه أخيرًا فهم إن أغلى الناس
مش اللي بيقفوا جنبك وقت النور.
أغلى الناس هم اللي بيشوفوك واقع وسط الخراب
ويقرروا يفضلوا.
