في يوم فرحي
كريم وقف عند الشباك… عينه اتسمرت على العربيات السودة اللي واقفة قدام المزرعة.
في الأول حاول يضحك بسخرية، كأنه لسه مسيطر:
“مين دول؟ ضيوف عندك؟”
مردّيتش.
كنت واقف هادي، إيدي في جيبي، وببص له بس.
ثواني… والباب اتفتح.
أول واحد نزل من العربية كان راجل طويل، لابس بدلة داكنة، خطواته ثابتة كأنه داخل مكان مش غريب عليه.
وراه اتنين… تلاتة… لحد ما الساحة قدام البيت بقت مليانة.
كريم بدأ يلاحظ إن الموضوع مش زيارة عادية.
الضحكة اختفت من وشه.
لفّ ناحيتي وقال بسرعة:
“إيه ده؟ إنت جايب مين؟”
بصيت له وقلت بهدوء:
“ناس بتفهم في الورق اللي إنت كنت عايز تمضيني عليه.”
واحد من الرجالة قرب من الباب، وفتح ملف في إيده.
قال بصوت واضح:
“حضرتك كريم الجبالي؟”
كريم اتجمد لحظة:
“أيوه… في إيه؟”
الرجل مد إيده بالبطاقة وقال:
“تحقيقات مالية… تحويلات مشـ,ـبوهة… ضغط غير قانوني على أملاك الغير… ومحاولة استحواذ بدون وجه حق.”
الصمت اللي حصل كان تقيل.
حتى الهواء في المزرعة اتغير.
كريم لفّ ناحيتي بسرعة:
“إنت… إنت عملت إيه؟”
بصيت له لأول مرة ببرود كامل وقلت:
“أنا؟ أنا بس اتأكدت من حاجات كنت شاكك فيها من أول يوم.”
رجع خطوة لورا لأول مرة.
“إنت فاكر نفسك كده كسبت؟”
ابتسمت:
“أنا مكنتش في سباق معاك… أنا كنت مستنيك تقع لوحدك.”
سلمى ظهرت عند باب البيت.
واقفة، عيونها مليانة دموع… مش فاهمة كل اللي بيحصل.
“بابا… في إيه؟”
بصيت لها بهدوء وقلت:
“الحقيقة يا بنتي… بتبان في الوقت الصح.”
كريم حاول يقرب منها:
“سلمى… ده سوء فهم… أنا بحميك من أبوك!”
لكن صوت الضابط قاطعه:
“حضرتك مطلوب للتحفظ للتحقيق.”
في اللحظة دي، كريم فقد أعصابه:
“إنتوا فاهمين أنا مين؟ أنا هخلص من ده كله في يوم!”
لكن الكلام كان بيضيع.
الأصفاد كانت اتفتحت.
وقبل ما يتحركوا بيه، بصلي وقال بصوت منخفض مليان غضـ,ـب:
“إنت كنت بتخطط لده من إمتى؟”
قربت خطوة واحدة وقلت:
“من أول مرة سألتني فيها عن الأرض… مش عن بنتي.”
سكت.
لأول مرة مفيش رد.
وهو بيتسحب من الساحة، بص لسلمى… لكن نظرتها كانت مختلفة.
مش خوف… مش ارتباك…
دي كانت أول مرة تشوف الحقيقة.
الرجالة بدأوا ينسحبوا بهدوء.
والهدوء رجع للمزرعة.
سلمى قربت مني وقالت بصوت مكـ,ـسور:
“إنت كنت عارف؟”
قلت بهدوء:
“كنت حاسس… والفرق كبير.”
سكتت شوية… وبعدين قالت:
“أنا آسفة يا بابا.”
هزيت راسي:
“متعتذريش… إنتِ كنتي بتحبي.”
الليل بدأ ينزل على الأرض الواسعة.
نفس الأرض اللي كان فاكر إنه هيملكها… انتهى عندها.
وبينما وقفت أبص على المزرعة اللي رجعت هادية من جديد…
اتأكدت إن بعض المـ,ـعارك مش بتتربح بالقوة…
لكن بالصبر… وبإنك تعرف إمتى تسكت… وإمتى تحسم.
سلمى فضلت واقفة جنبّي، عيونها لسه مش مستوعبة إن اللي حصل في ساعات قليلة قلب حياتها كلها.
الهواء كان هادي بشكل غريب… كأن المزرعة نفسها بتتنفس لأول مرة من غير ضغط.
بعد دقائق، العربية الأخيرة اختفت في آخر الطريق الترابي، وصوتها اتلاشى تمامًا.
سلمى قالت بصوت منخفض:
“هو كان بيحبني فعلًا… ولا كله كان كدب؟”
سكت لحظة… السؤال ده أصعب من أي تحقيق أو مواجهة.
وبعدين قلت:
“مش كل حب بيبان صح… بس الأفعال عمرها ما بتكدب.”
بصت للأرض، دموعها نزلت بهدوء:
“أنا كنت غبية؟”
هزّيت راسي بسرعة:
“لا… إنتي كنتي واثقة. والفرق كبير.”
قربت مني خطوة وقالت:
“أنا خفت منك في الفرح… مش فاهمة إنت ليه سكت الأول.”
ابتسمت ابتسامة بسيطة:
“لأن بعض الناس لازم تكشف نفسها بنفسها… لو تدخلت بدري، كنت هتشكّي في كل حاجة.”
سكتت شوية، وبعدين قالت:
“بس أنا دلوقتي فهمت.”
رفعت عينيها للمزرعة الواسعة، كأنها بتشوفها لأول مرة من غير غشاوة.
“كل ده… كنت لوحدك شايله؟”
قلت:
“علشان كنت فاكر إني بحميك.”
النسيم كان بيعدّي بين الأشجار، وصوت الطيور رجع تدريجيًا كأن الحياة بترجع لطبيعتها.
سلمى مسحت دموعها وقالت:
“أنا عايزة أبدأ من جديد… بعيد عن أي حاجة حصلت.”
بصيت لها وقلت بهدوء:
“البدايات الجديدة مش مكان… دي قرار.”
في اللحظة دي، وصل اتصال على موبايلها.
بصت للشاشة… وبعدين سابت الموبايل على الترابيزة من غير ما ترد.
وقالت:
“مش عايزة أسمع صوته تاني.”
هزّيت راسي بسكوت.
دي كانت أول مرة أحس إن بنتي رجعت لي مش بس جسد… لكن فهم ووعي كمان.
مع غروب الشمس، وقفنا سوا قدام البيت.
المزرعة كانت ساكتة… بس مش حزينة.
كانت… راجعة لنفسها.
سلمى قالت:
“هو راح فين دلوقتي؟”
قلت:
“المكان اللي المفروض أي حد يبتدي فيه لما يفتكر إنه فوق القانون.”
سكتت شوية وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة لأول مرة من وقت طويل:
“هو كان فاكر نفسه ماسك الدنيا بإيده.”
ابتسمت:
“وأحيانًا… الإيد بتكون فاضية من غير ما يحس.”
الليل نزل بالكامل، والنجوم بدأت تظهر فوق المزرعة.
وسلمى قالت وهي واقفة جنبي:
“أنا مش عايزة فلوسه… ولا أي حاجة منه.”
قلت:
“وأنا كمان.”
وبصينا للسماء سوا.
وفي اللحظة دي، فهمنا حاجة واحدة:
إن أقوى انتصار مش إنك تكسب حـ,ـرب…
لكن إنك ما تخليش حد يغيرك من جوه.
تمت

