بعد غياب 8 سنين بقلم ندى الجمل

الجزء الأول
آخر شخص الدكتورة مايا السيوفي كانت تتوقع تشوفه على سرير الكشف… كان الراجل اللي دمّر حياتها.
وآخر حاجة كان ياسين الجارحي متوقعها، وهو داخل مستشفى النيل التخصصي بسبب وجع في صدره، إنه يلاقي مراته السابقة لابسة بالطو أبيض، واسمها متخيط فوق قلبها كأنه حكم بالإعدام.
د. مايا السيوفي
استشاري قلب وقسطرة
هو فضل يدور عليها ٨ سنين.
وهي قضت ٨ سنين كاملة متأكدة إنه عمره ما هيوصل لها.
دلوقتي كان قاعد في أوضة الكشف رقم ٤، لابس هدوم المستشفى الورق، ووشه شاحب تحت نور النيون، ومايا ماسكة الأشعة والتحاليل بإيد عمرها ما اتهزت وهي بتتعامل مع جلطات، أو إصابات رصاص، أو عمليات طوارئ.
بس دلوقتي… إيديها كانت بتترعش.
“مايا…” قالها ياسين بصوت واطي.
اسمها وقع بينهم كأنه شرارة وقعت في بنزين.
قفلت الباب وراها.
وقالت ببرود: “أنا الدكتورة مايا يا أستاذ ياسين. حضرتك جاي بسبب ضغط على الصدر وضيق تنفس… فخلينا نتعامل بشكل مهني.”
فضل يبصلها كأنه شايف شبح عرف يرجع يتنفس.
قال بعدم استيعاب: “إنتِ بقيتي دكتورة قلب؟”
ردت وهي باصة في الملف: “بقيت الحاجة اللي قلتلك زمان إني هابقى عليها… رغم كل حاجة.”
وشه اتشد كأنه اتضرب.
وده خلاها ترتاح شوية.
فجأة الباب اتفتح.
“ماما… الأبلة سعاد قالت إني ممكن آخد آخر كوباية بودينج شوكولاتة لو خلصت الواجب، وأنا خلصته فعلًا—”
البنت سكتت أول ما دخلت.
كان عندها حوالي ٨ سنين، شعرها الكيرلي مربوط ديل حصان ملخبط، وشنطة بنفسجي على كتفها… وعينيها بنفس لون عيون ياسين بالظبط.
بني نحاسي.
واضحين جدًا.
ياسين قام واقف ببطء.
الهوا اختفى من الأوضة.
البنت بصت له، وبعدين لمايا: “ماما؟”
وش مايا برد فجأة… البرود اللي ياسين كان فاكره كويس.
مش لأنها كانت باردة زمان… لكن لأنه هو اللي علّمها تبقى كده.
قالت بهدوء: “ليلى… ارجعي الاستراحة عند الممرضات يا حبيبتي.”
“بس يا ماما—”
“دلوقتي.”
البنت عضّت شفايفها، وبصت لياسين بفضول، بعدين خرجت وقفلت الباب.
ياسين ما اتحركش.
وشه بقى أبيض.
قال بصوت مكسور: “عندها كام سنة؟”
إيد مايا شدت على الملف.
وقالت ببرود: “رسم القلب ما فيهوش علامات جلطة حاليًا. هحوّلك لدكتور تاني يكمل الفحوصات.”
رفع صوته: “عندها كام سنة يا مايا؟”
عينيها لمعت بغضب.
“ما تنطقش اسمي كأن لسه ليك حق فيه.”
بلع ريقه بصعوبة. “هي… بنتي؟”
السؤال رجّع مايا ٨ سنين لورا.
اليوم اللي كانت واقفة فيه قدام بيتهم والمطر مغرق شعرها، وصورة السونار مستخبية في جيب بالطوها.
كانت خارجة من الشغل بدري يومها، وده كان شيء شبه مستحيل في فترة النيابة.
بس يومها الفرحة فرضت نفسها.
كانت حامل في الأسبوع السادس.
نقطة صغيرة بتنور على الشاشة.
نبض.
ابن ياسين.
ابنهم.
طول الطريق للبيت كانت بتبتسم لدرجة إن خدودها وجعتها، وكل شوية تعيد الكلام في دماغها.
“إنت هتبقى أب.”
كانوا بيحاولوا يخلفوا بقالهم سنة تقريبًا.
في هدوء.
من غير ما يقولوا لحد.
لا تجهيز أوضة أطفال، ولا أسامي مكتوبة على ورق… بس همسات متأخرة بالليل وهم مرهقين.
مرة ياسين قالها: “لو بنت… نفسي تطلع شجاعة زيك.”
ضحكت وقتها وهي نايمة على صدره: “ولو ولد… يبقى صبور زيك.”
ساعتها كانت فاكرة إن ياسين فعلًا صبور.
وكانت فاكرة إن الحب أقوى من أي سم.
بس أول ما دخلت البيت يومها… حسّت إن فيه حاجة غلط.
البيت كان هادي زيادة عن اللزوم.
نور الأباجورة بس اللي منور.
ياسين كان قاعد على الكنبة، حاطط راسه بين إيديه.
وورا منه واقفة أمه… سهير الجارحي.
ست مبتسمش غير بشفايفها، إنما عينيها كلها إدانة.
ست تلبس دهب الصبح، وتتبرع للمستشفيات بالليل، وقالت لمايا مرة قدام الناس: “بصراحة… نجاحك في الطب ده مفاجأة لطيفة.”
كأنها بتقولها إن مكانها الحقيقي مش هنا.
من أول يوم، سهير كانت بتبص لمايا كأنها دخيلة.
ومايا كانت مستحملة عشان ياسين بيحبها.
أو كانت فاكرة كده.
قالت بقلق: “فيه إيه؟”
رفع ياسين وشه.
ولأول مرة… ما شافتش جوزها.
شافت راجل غضبه اختار يصدق أي حاجة غيرها.
قال بحدة: “بلاش تمثيل.”
اتجمدت. “تمثيل إيه؟”
رمى ظرف على الأرض قدامها.
الصور اتناثرت فوق السجادة.
مايا خارجة من المستشفى.
مايا بتضحك مع دكتور زميلها.
مايا قاعدة معاه في كافيه.
مايا بتلمس دراعه وهي بتديله ملف.
لحظات عادية جدًا…
بس متقصوصة ومتسممة.
بصت للصور بعدم استيعاب. “إيه ده؟”
قال ياسين بغضب: “أمي جابت محقق خاص يتابعك.”
شهقت: “إيه؟!”
سهير قربت وهي بتقول بهدوء سام: “كنتي بتخرجي معاه بعد الشغل… قهوة… مكالمات… بصراحة يا مايا، حتى ما حاولتيش تخبي.”
رفعت مايا صورة بإيد بتترعش.
الصورة اللي هم شايفينها خيانة… كانت يوم زميلها وصلها عربيتها بعد شيفت ١٩ ساعة.
والقهوة؟ مناقشة حالة مريض مات تحت إيديهم.
أما لمسة الإيد؟ كانت وهي بتديله الأشعة.
رفعت عينيها لياسين: “إنت مصدق الكلام ده؟”
سكت.
وسكوته كان أوحش من أي اتهام.
قربت منه وقالت بصوت مكسور: “أنا حامل.”
الكلمة جمدت الدنيا.
سهير رمشت مرة بسرعة.
أما ياسين… فبصلها كأنها خنقته.
“حامل؟”
طلعت صورة السونار من جيبها، ودموعها بتنزل وهي مبتسمة: “كنت جاية أقولك النهارده.”
خد الصورة بعنف.
بصلها…
وبعدين ضحك ضحكة مكسورة.
“بجد؟”
“ياسين—”
صرخ فجأة: “هو الواد ده ابني أصلًا؟!”
الكلمة نزلت عليها كأنها قلم على وشها.
حتى سهير سكتت لحظة.
مايا بصتله بصدمة: “إنت قلت إيه؟”
رمى السونار على الترابيزة. “بعد الصور دي كلها… عايزاني أصدقك؟”
الدموع نزلت من عينيها، لكنها ما مسحتهاش.
“إنت عارفني.”
رد ببرود: “واضح إني ماكنتش أعرفك خالص.”
رجعت خطوة لورا.
٨ سنين حب… اتكسرت في دقيقة.
بسبب كام صورة وكلمتين من أمه.
قالت بصوت مخنوق: “أنا عمري ما خنتك.”
سهير قالت بنعومة مستفزة: “الرجالة الغنية دايمًا بيبقوا هدف يا مايا… وياسين قلبه طيب.”
هنا مايا فهمت الحقيقة.
سهير ماكنتش بس بتكرهها.
دي كانت عايزة تخلص منها.
عشان مايا مش من مستواهم.
بنت مدرسة وممرض، اشتغلت لحد ما وقعت عشان تبقى دكتورة… بينما عيلة الجارحي بتشتري النفوذ بالفلوس.
بصتلها مايا وقالت: “إنتِ عملتي كل ده.”
ابتسمت سهير: “أنا بس كشفت الحقيقة.”
أما ياسين… فكان واقف ساكت.
وده كان أكتر حاجة كسرت قلبها.
إنه اختار يصدقها هي… مش يصدق مراته.
مسكت شنطتها ببطء.
قال ياسين بصوت متردد: “لو الطفل طلع ابني… هديكي أي فلوس تحتاجيها.”
وقفت عند الباب.
وبعدين بصتله بعين مليانة احتقار ووجع.
وقالت: “أنا ماكنتش جاية أطلب منك فلوس يا ياسين… كنت جاية أقولك إننا بقينا عيلة.”
قفلت الباب وراها…
والصوت كان النهاية الرسمية لجوازهم.
مايا ما افتكرتش إزاي نزلت السلم، ولا إزاي وصلت عربيتها.
كل اللي فاكراه إنها فضلت قاعدة ورا الدريكسيون أكتر من ساعة، والمطر بينزل على الإزاز قدامها، وهي حاطة إيديها على بطنها الصغيرة وبتحاول تستوعب إن الراجل اللي كانت مستعدة تضحي عشانه بأي حاجة… سألها إذا كان طفلها منه ولا لأ.
رن موبايلها أكتر من مرة.
ياسين.
رفضت ترد.
بعد شوية بعت رسالة:
“لو فيه تفسير… أنا مستعد أسمعه.”
ضحكت وقتها وسط دموعها.
بعد ما كسرها… بقى عايز “تفسير”.
قفلت الموبايل تمامًا.
وفي نفس الليلة، أخدت قرار عمرها ما تخيلت إنها هتاخده.
اختفت.
بعد أسبوعين، كانت مايا واقفة في محطة قطر القاهرة، شنطة هدوم في إيد، وملف أوراقها في الإيد التانية.
حولت تدريبها لمستشفى النيل التخصصي.
غيرت رقمها.
قفلت حساباتها.
اختفت من حياة ياسين الجارحي كأنها ما كانتش موجودة أصلًا.
ولأول مرة في حياتها… اختارت نفسها.
واختارت بنتها.
في الناحية التانية، ياسين كان بيدور عليها بجنون.
راح شقتها… فاضية.
راح المستشفى… استقالت.
كلم أصحابها… محدش رد.
حتى دكتور دانيال بنفسه قاله ببرود: “لو كنت وثقت في مراتك نص ما وثقت في كلام أمك… ماكنتش خسرتها.”
وقتها بدأ الشك يدخل قلب ياسين لأول مرة.
لكن بعد فوات الأوان.
بعد شهر، اكتشف الحقيقة.
بالصدفة.
كان داخل أوضة مكتب أمه يدور على ملف مهم، ولما فتح الدرج… لقى ظرف تاني.
نفس نوع الظرف اللي اترمى قدام مايا.
بس المرة دي كان فيه فواتير.
تقارير.
ومحادثات مطبوعة بين المحقق الخاص وسهير.
“الصور لسه مش كفاية يا هانم.”
“قص الصور اللي فيها ناس تانية.”
“ركز على أي لمسة بينهم.”
“عايزاه يصدق إنها خايناه.”
ياسين حس إن الأرض بتميد بيه.
إيده بدأت ترتعش وهو بيقلب الورق.
كل حاجة…
كل حاجة كانت متخططلها.
طلع يجري يدور على أمه.
لقاها قاعدة في الجنينة تشرب قهوتها بمنتهى الهدوء.
صرخ: “إنتِ لفقتيلها!”
سهير حتى ما ارتبكتش.
رفعت عينيها له بهدوء: “كنت بحميك.”
“دمرتي حياتي!”
وقفت وقالت بعصبية أخيرًا: “حياتك كانت هتتدمر أكتر مع واحدة طمعانة جاية من ولا حاجة!”
الكلمة ضربته في صدره.
لأول مرة… شاف أمه على حقيقتها.
مش ست خايفة على ابنها.
لكن ست مريضة بالسيطرة.
قال بصوت مبحوح: “هي كانت حامل…”
ردت ببرود: “ولو. هتلاقي غيرها تخلفلك عشرة.”
ساعتها ياسين حس إنه هيستفرغ.
ساب البيت.
وساب أمه لأول مرة في حياته تصرخ وراه من غير ما يبص حتى.
بس مايا كانت اختفت فعلًا.
والسنين عدت.
دلوقتي…
بعد ٨ سنين.
ياسين واقف في أوضة الكشف، وعينيه متعلقة بالباب اللي خرجت منه البنت الصغيرة.
بنته.
قلبه كان بيدق بعنف أكتر من وجع صدره نفسه.
قال بصوت مكسور: “ليه ماقولتيليش؟”
مايا كانت واقفة عند المكتب، ضهرها مستقيم كعادتها، لكن إيديها متشابكة جامد.
“كنت أقولك إيه؟”
بصلها بوجع: “إن عندي بنت.”
ضحكت ضحكة قصيرة مالهاش روح. “وقت ما عرفت إني حامل… سألتني إذا كانت بنتك أصلًا.”
سكت.
ومعرفش يرد.
قالت وهي تبص في الملف: “أنت اخترت تصدق أسوأ حاجة عني بسهولة جدًا يا ياسين. وأنا وقتها فهمت إن بنتي لازم تكبر بعيد عن العيلة دي.”
همس: “دورت عليكم سنين.”
التفتت له أخيرًا.
وعينيها كانت مليانة تعب عمر كامل.
“بس ما دورتش ورا الحقيقة غير بعد ما خسرتنا.”
ياسين نزل بعينيه للأرض.
لأول مرة في حياته، الفلوس ماعرفتش تنقذه.
ولا النفوذ.
ولا اسمه.
قال بصوت مبحوح: “أنا آسف.”
مايا ضحكت ضحكة صغيرة متعبة. “متأخر أوي على الكلمة دي.”
وقبل ما يرد، الباب اتفتح تاني.
ليلى دخلت وهي ماسكة كوباية بودينج الشوكولاتة بانتصار واضح.
“كسبتها!” قالتها بحماس، قبل ما تلاحظ التوتر اللي مالي الأوضة.
بصت لياسين تاني.
وبعدين قربت من مايا تلقائيًا، ماسكة طرف بالطوها الأبيض.
الحركة كانت بسيطة… لكنها وجعت ياسين بشكل ما توقعوش.
لأن البنت دي عمرها ما جريت عليه. عمرها ما استخبت وراه. عمرها ما عرفته أصلًا.
ليلى همست: “هو العيان ده زعلان ليه؟”
مايا ردت بهدوء: “عنده شوية ضغط يا حبيبتي.”
ليلى هزت راسها بحكمة طفولية. “الأبلة بتقول الزعل بيعمل وجع في القلب.”
ياسين حس الكلمة دخلت في صدره مباشرة.
مايا قالت: “روحي اقعدي دقيقة بره، وأنا جاية.”
ليلى بصت بينهم مرة أخيرة، ثم خرجت ببطء.
أول ما الباب اتقفل، ياسين قال: “هي شبهك.”
مايا رفعت حاجبها. “الناس كلها بتقول شبهك.”
ولأول مرة من ساعة ما شافها… طلعت ابتسامة صغيرة موجوعة على وشه.
اختفت بسرعة.
قال بعدها: “اسمها ليلى؟”
“آه.”
بلع ريقه. “الاسم اللي كنا مختارينه.”
سكتت.
لأن دي الحقيقة.
زمان، وهم نايمين جنب بعض في ليلة هادية، ياسين قال إنه بيحب اسم ليلى لو جابوا بنت.
ومايا افتكرت إنها مستحيل تسميها غير كده.
حتى بعد ما كرهته… جزء منها ماعرفش يكره الذكرى.
قال بصوت مكسور: “كنت موجود… وهي بتتولد؟”
عينيها اتهربت منه للحظة.
“لا.”
الكلمة قتلته.
كملت بهدوء: “كنت لوحدي.”
اتنفس بصعوبة، كأن حد خبطه في صدره.
تخيلها في المستشفى… بتولد بنتهم… من غير حد يمسك إيديها.
بينما هو كان وقتها غرقان في غضبه وغبائه.
همس: “أنا كنت المفروض أبقى هناك.”
“بس ماكنتش.”
سكتوا.
صوت أجهزة التكييف كان عالي وسط الصمت.
بعد لحظة، قال ياسين: “اتجوزتي بعدي؟”
بصتله باستغراب بسيط، كأن السؤال غريب أصلًا. “لأ.”
قلبه دق أسرع. “ليه؟”
ضحكت بسخرية خفيفة. “عشان كنت بشتغل ١٦ ساعة في اليوم وبربي طفلة لوحدي. الرومانسية ماكنتش أولوية.”
لكن الحقيقة كان فيها جزء تاني ماقالتوش.
إنها بعد ياسين… ماقدرتش تثق في حد بالكامل.
سألها بهدوء: “هي تعرف عني إيه؟”
“إن أبوها مات.”
اتجمد.
الكلمة نزلت عليه كالرصاصة.
رفع عينيه بصدمة: “إنتِ قولتلها إني ميت؟”
قالت بسرعة، وفي صوتها أول شرخ حقيقي: “كان أسهل.”
“أسهل؟”
“من إني أشرح لبنت صغيرة إن أبوها اختار يصدق إنها خيانة قبل ما يصدق أمها.”
اتخرس.
لأنه مايقدرش يقول إنها غلط.
وفجأة، وجع حاد ضرب صدره.
ياسين حط إيده على قلبه واتنفس بصعوبة.
مايا اتحركت فورًا، والدكتورة جواها غلبت أي مشاعر تانية.
“اقعد.”
“أنا بخير—”
“ياسين اقعد حالًا.”
نبرتها خلته يطيع بدون نقاش.
حطت السماعة على صدره، وتركيزها الكامل رجع في ثانية.
لكن قربها… ريحة البرفان الخفيفة… دفا إيديها…
كل ده رجعله سنين كان فاكر إنها انتهت.
قال بصوت واطي وهو باصلها: “لسه لابسة الخاتم.”
إيدها اتجمدت ثانية.
بصت تلقائيًا لإيديها.
دبلة رفيعة فضة… مستخبية تحت الجوانتي الطبي.
كانت لسه موجودة.
مايا بعدت بسرعة، وقلعتها فورًا كأنها اتلسعت.
وقالت ببرود: “اتعودت عليها بس.”
لكن ياسين شاف الكدب في عينيها.
ولأول مرة من ٨ سنين… حس إن فيه أمل صغير جدًا.
صغير لدرجة مرعبة.
وفي نفس اللحظة، صوت ممرضة جه من بره بعجلة:
“دكتورة مايا! عندنا حالة جلطة وصلت الطوارئ!”
مايا اتحركت فورًا ناحية الباب.
لكن قبل ما تخرج، ياسين ناداها:
“مايا…”
وقفت من غير ما تبصله.
قال بصوت صادق لأول مرة من سنين: “حتى لو كرهتيني طول عمرك… أنا مش همشي تاني.”
مايا ما ردتش.
فضلت واقفة ثانيتين، ضهرها ليه، كأن جزء جواها بيحارب نفسه.
وبعدين خرجت بسرعة ناحية الطوارئ.
وياسين فضل قاعد لوحده في أوضة الكشف، قلبه واجعه أكتر من أي أزمة قلبية ممكن يكون مر بيها.
بعد ساعة…
كان لسه مستني.
الممرضة دخلت تبصله باستغراب. “حضرتك لسه هنا؟”
قال بهدوء: “مستني الدكتورة مايا.”
البنت اترددت. واضح إنها عايزة تقول حاجة، لكنها سكتت في الآخر.
بعد دقايق، لمح ليلى ماشية في الطرقة وهي بترسم على ورقة، ورجليها بتتأرجح مع كل خطوة.
قلبه شدّه ناحيتها بشكل غريزي.
البنت وقفت أول ما شافته.
بصتله شوية… وبعدين قربت بحذر.
قالت: “إنت العيان بتاع القلب؟”
رغم وجعه، ابتسم. “آه تقريبًا.”
رفعت الورقة اللي في إيديها. “أنا رسمت ماما.”
أخد الورقة ببطء.
كان فيها رسمة طفولية لمايا بالطو أبيض وقلب كبير أحمر جنبها.
وفوق الرسمة مكتوب: “ماما بتصلّح القلوب.”
عيناه لسعوه.
قال بهمس: “دي شاطرة أوي.”
ليلى ابتسمت بفخر. “ماما بتقول إني ذكية.”
سكت لحظة، وبعدين سأل برفق: “بتحبي مامتك أوي؟”
بصتله باستغراب طفولي. “طبعًا. دي كل عيلتي.”
الكلمة وجعته.
كل عيلتها.
مش هو.
سألها: “مش عندك بابا؟”
البنت هزت كتفها الصغيرة. “ماما قالت إنه راح عند ربنا.”
حس نفسه بيتكسر من جوه.
لكن قبل ما يرد، صوت مايا جه من آخر الطرقة: “ليلى.”
البنت لفت فورًا. مايا كانت جاية بسرعة، وشها متوتر أول ما شافتهم واقفين مع بعض.
قالت بحدة خفيفة: “قولتلك تستني عند الممرضات.”
ليلى حست بالتوتر فورًا. “أنا آسفة.”
وهو ده اللي ضايق ياسين أكتر… إن بنته اعتذرت لمجرد إنها وقفت معاه.
ركع قدامها بسرعة وقال بلطف: “إنتِ ماعملتيش حاجة غلط.”
مايا بصتله بنظرة تحذير واضحة.
قام ببطء.
ليلى بصت بينهم بحيرة، الذكاء اللي في عينيها أكبر من سنها بكتير.
ثم سألت فجأة: “إنت تعرف ماما من زمان؟”
الصمت نزل ثقيل.
مايا اتكلمت بسرعة: “كان مريض قديم.”
لكن ليلى ما اقتنعتش.
بصت لياسين مباشرة. “ليه بتبصلها كأنك زعلان؟”
الحقيقة علقت في زورقه.
لأنه ماكانش زعلان بس.
كان ندمان. مكسور. ومحروم من ٨ سنين كاملة من عمر بنته.
قال بصوت هادي: “عشان مامتكِ شخصية مهمة جدًا بالنسبة لي.”
مايا شدّت فكها.
أما ليلى… فابتسمت ببساطة وقالت: “آه، كل الناس بتحبها.”
ثم مسكت إيد مايا ومشيت معاها.
لكن قبل ما تلف، بصت لياسين مرة أخيرة… بنفس عينيه.
ولأول مرة في حياته، ياسين فهم معنى إنه يشوف قلبه ماشي قدامه على رجلين.
في الليلة دي…
مايا رجعت البيت متأخرة.
شقتها كانت صغيرة وهادية، فوق النيل مباشرة.
مش فخمة زي القصور اللي عاش فيها ياسين… بس دافية.
آمنة.
علقت مفاتيحها، وهي مرهقة جسديًا ونفسيًا.
ليلى كانت نايمة على الكنبة، حضنة الدبدوب البنفسجي بتاعها.
مايا قربت تغطيها…
لكن البنت فتحت عينيها بنعاس. “ماما؟”
“ممم؟”
قالت بنصف نوم: “الراجل ده… كان بيبصلي كأنه يعرفني.”
قلب مايا وقع.
سألت بهدوء: “ضايقك؟”
“لأ.”
سكتت ليلى شوية، ثم همست: “حسّيته حزين.”
مايا بصتلها من غير كلام.
الأطفال أحيانًا بيشوفوا الحقيقة أسرع من الكبار.
ليلى سألت فجأة: “هو كان يعرف بابايا؟”
السؤال خبط مايا في صدرها مباشرة.
اتجمدت مكانها.
ولأول مرة من سنين… ماعرفتش تكذب بسرعة.
وفي نفس اللحظة، موبايلها رن.
رقم غير مسجل.
لكن قلبها عرف صاحبه قبل ما ترد.
ياسين.
مايا فضلت تبص للموبايل وهو بيرن.
مرة.
اتنين.
تلاتة.
ليلى كانت لسه باصة لها مستنية الإجابة على سؤالها.
“هو كان يعرف بابايا؟”
بلعت مايا ريقها بصعوبة، وبعدين قفلت صوت الموبايل.
قالت بهدوء متعب: “نامي يا ليلى.”
لكن البنت قعدت نص قعدة، شعرها الكيرلي منكوش حوالين وشها الصغير. “ماما… إنتِ بتعيطي؟”
مايا لمست تحت عينيها بسرعة. ماكنتش حتى واخدة بالها إن الدموع نزلت.
ابتسمت ابتسامة خفيفة مكسورة. “لأ يا حبيبتي.”
ليلى مدت إيديها الصغيرة وحضنت رقبتها. “الأبلة سعاد بتقول إن الكدب وحش.”
ضحكة صغيرة خرجت من مايا غصب عنها.
حضنت بنتها جامد، كأنها بتحاول تحميها من الماضي كله.
في نفس الوقت…
ياسين كان قاعد في عربيته تحت عمارة مايا.
من ساعة ما خرج من المستشفى وهو مش قادر يمشي.
الأوضة اللي شاف فيها بنته لأول مرة… صوتها… عينيها…
كل حاجة كانت بتطحنه من جوه.
بص لفوق ناحية نور شقتها.
تخيلهم هناك…
مايا وهي بتضحك.
ليلى وهي بتجري حواليها.
حياة كاملة اتبنت من غيره.
بسببه.
رن تاني.
ما ردتش.
قفل الموبايل ورمى راسه على الكرسي بتعب.
ولأول مرة من سنين طويلة… ياسين الجارحي بكى.
تاني يوم الصبح…
مايا كانت في مكتبها بتحاول تركز في ملفات المرضى.
لكن عقلها كان مشتت بالكامل.
طرقة خفيفة خبطت الباب.
“ادخل.”
الممرضة ناهد دخلت بتردد. “دكتورة… الأستاذ ياسين بره.”
إيد مايا شدت على القلم.
“قوليله عندي شغل.”
ناهد اترددت. “هو… بقاله ساعتين مستني.”
غمضت مايا عينيها لحظة.
زمان… كان ياسين عمره ما يستنى حد.
الناس كلها كانت هي اللي تستناه.
قالت ببرود: “يبقى يستنى أكتر.”
بعد نص ساعة، خرجت من المكتب بسرعة عشان تروح العمليات.
لكن أول ما لفت عند آخر الطرقة… شافته.
واقف.
لابس قميص أسود وباين عليه الإرهاق بشكل مرعب.
أول ما عينيه وقعت عليها، وقف مستقيم فورًا.
وكأن جسمه كله بيصحى لمجرد وجودها.
قال بهدوء: “ممكن خمس دقايق؟”
ردت وهي ماشية: “لأ.”
مشي وراها. “مايا، بالله عليكي.”
وقفت فجأة وبصتله بعصبية مكتومة. “إنت فاكر إنك تقدر ترجع بعد ٨ سنين وتتكلم كأن مافيش حاجة حصلت؟”
قال بسرعة: “أنا عارف إني غلطت.”
“غلطت؟”
ضحكت بمرارة. “دي الكلمة اللي لقيتها؟”
قرب خطوة. “كنت غبي.”
“كنت جبان.”
سكت.
لأنها عندها حق.
قالت وعينيها بدأت تلمع: “أنا كنت حامل يا ياسين. كنت مرعوبة وتعبانة ومستنياك تبقى ضهري… وإنت سبتني لوحدي.”
همس: “عارف.”
“لأ. إنت ماتعرفش.”
صوتها اتكسر لأول مرة.
“إنت ماتعرفش يعني إيه واحدة تولد لوحدها… وتروح البيت لوحدها… وتصحى كل يوم خايفة بنتها تسألها: بابا فين؟”
كل كلمة كانت بتغرز فيه.
قرب أكتر، صوته مليان ندم: “اديني فرصة أصلح اللي عملته.”
هزت راسها بعدم تصديق. “هتصلح إيه؟ أول كلمة قالتها؟ أول خطوة؟ أول يوم مدرسة؟ أول مرة جالها سخونية وقعدت الليل كله بحضنها؟”
سكت.
لأن مافيش إجابة.
دموعها نزلت أخيرًا، لكنها مسحتها بسرعة بغضب، كأنها رافضة تبان ضعيفة قدامه.
وقالت: “إنت مش فاهم أصعب حاجة عملتها إيه.”
بصلها بصمت.
همست: “إن جزء مني… فضل بيحبك رغم كل حاجة.”
الكلمة خبطته بقوة.
لكن قبل ما يرد، صوت صغير قطع اللحظة:
“ماما!”
لفوا الاتنين.
ليلى كانت جاية تجري في الطرقة، شنطتها بتخبط في ضهرها.
واضح إن المدرسة خلصت بدري.
أول ما وصلت لمايا، وقفت فجأة لما شافت ياسين.
وبعدين قالت ببراءة: “أنت لسه هنا؟”
ياسين نزل على ركبته تلقائيًا عشان يبقى في مستواها.
ولأول مرة… بقى قريب منها بالشكل ده.
قال بابتسامة مهزوزة: “آه.”
ليلى بصت له شوية، ثم سألت السؤال اللي وقف قلب الاتنين:
“هو أنا أعرفك منين؟”
ياسين حس قلبه وقف فعلًا.
أما مايا… فاتجمدت مكانها.
الثواني عدّت ببطء مرعب.
ليلى كانت باصة لياسين بتركيز الأطفال اللي أذكى من الكبار أحيانًا، كأنها بتحاول تفتكر حلم قديم.
ياسين حاول يبتسم رغم الرعشة اللي في صوته. “يمكن عشان شفنا بعض امبارح؟”
هزت راسها ببطء. “لأ… قصدي حاجة تانية.”
وبعدين قالت وهي باصة لعينيه: “إنت شبهّي.”
الهواء اتسحب من صدر مايا.
أما ياسين… فحس الدموع حرقت عينيه فورًا.
ليلى كملت ببراءة: “أو يمكن أنا اللي شبهاك.”
مايا اتحركت بسرعة، وحطت إيدها على كتف بنتها. “يلا يا ليلى، اتأخرنا.”
لكن ليلى ما اتحركتش.
فضلت باصة لياسين، وبعدين قالت: “إنت اسمك إيه؟”
ياسين بلع ريقه بصعوبة. “ياسين.”
البنت ابتسمت فجأة. “اسمك حلو.”
قلبه اتكسر وزاد نبضه في نفس اللحظة.
قالها بهمس: “شكرًا.”
مايا أخدت نفس طويل، واضح إنها بتحاول تسيطر على أعصابها.
“ليلى، العربية مستنيانا.”
وأخيرًا البنت اتحركت، لكن قبل ما تمشي، رفعت إيديها الصغيرة لياسين وقالت بمنتهى العفوية: “باي.”
ياسين بص لإيدها ثانيتين… قبل ما يمسكها برفق شديد، كأنه خايف تختفي.
“باي يا ليلى.”
الصوت خرج منه مبحوح.
البنت جريت بعد كده ناحية أمها، لكن ياسين فضل واقف مكانه، حاسس إن جزء من روحه راح معاها.
في العربية…
ليلى كانت قاعدة ورا، بتاكل بسكوتة وهي باصة من الشباك.
فجأة قالت: “ماما؟”
“نعم؟”
“الراجل ده بيحبك.”
إيد مايا شدت على الدريكسيون.
“ليه بتقولي كده؟”
ليلى هزت كتفها. “واضحة.”
ضحكة متوترة خرجت من مايا. “إنتِ صغيرة على الكلام ده.”
“بس أنا مش غبية.”
الكلمة دي كانت دايمًا تخوفها.
لأن ليلى فعلًا ذكية بشكل يخض.
وساعات بتحس إن بنتها شايفة جوا الناس أكتر مما المفروض طفلة تشوف.
سكتت شوية، ثم سألت: “إنتِ بتحبيه؟”
السؤال ضرب مايا مباشرة.
بعد ثواني طويلة، قالت: “بعض الناس… حتى لما يوجعونا، بيبقى صعب نبطل نحبهم.”
ليلى فكرت شوية في الكلام، ثم قالت بمنتهى البراءة: “يبقى هو أكيد وجعك جامد.”
دمعة نزلت من عين مايا رغمًا عنها.
في نفس الوقت…
ياسين كان واقف في جراج المستشفى، ضهره متسند على عربيته، وعقله بيلف في دوامة.
“إنت شبهّي.”
الجملة كانت بتتكرر في دماغه.
طلع موبايله وطلب رقم.
بعد ثواني، الطرف التاني رد: “أيوه يا أستاذ ياسين.”
قال بصوت بارد لأول مرة من سنين: “عايز كل حاجة تخص أمي.”
الراجل اتوتر. “مش فاهم—”
“الحسابات. التحويلات. الناس اللي كانت بتشتغل ليها. كل حاجة.”
سكت لحظة، وعينيه مظلمة.
“ولو حاولت تخبي عني حاجة… اعتبر نفسك انتهيت.”
قفل المكالمة.
ثم رفع عينيه ناحية المستشفى.
ناحية الدور اللي فيه مايا.
هو كان فاكر إن أكبر خسارة في حياته إنه خسرها.
لكن دلوقتي فهم الحقيقة.
أكبر خسارة… كانت إن بنته كبرت ٨ سنين وهو مش موجود.
وإن حد تاني أخد مكانه في كل لحظة كان المفروض يكون فيها أبوها.
وفجأة، تليفونه رن.
اسم المتصل خلّى ملامحه تتجمد:
سهير الجارحي.
بص للشاشة شوية… ثم رد ببرود: “نعم.”
صوت أمه جه ناعم كعادته. “سمعت إنك تعبت. إنت كويس يا حبيبي؟”
أغمض عينيه.
زمان، الكلمة دي كانت بتطمنه.
دلوقتي بقت تخنقه.
قال ببطء: “شفت مايا.”
الصمت اللي حصل بعدها كان قصير…
لكن كفاية يفضح كل حاجة.
ثم قالت سهير بهدوء محسوب: “ودي حاجة كويسة؟”
رد بصوت مخيف من هدوئه: “عندي بنت.”
ولأول مرة من سنين طويلة جدًا…
سهير الجارحي اتوترت فعلًا.
الصمت على الطرف التاني طال شوية زيادة عن الطبيعي.
وبعدين صوت سهير جه أهدى، بس فيه حدّة متخفية: “إنت بتقول إيه؟”
ياسين شد على الموبايل. “بقول عندي بنت. اسمها ليلى.”
سكت لحظة، وبعدين كمل: “٨ سنين يا أمي… ٨ سنين وأنا مش عارف إنها موجودة.”
سهير ردت بسرعة: “ده كلام مين؟ مايا قالتلك كده؟”
ضحك ياسين ضحكة قصيرة مفيهاش أي روح. “لا. أنا شوفتها.”
الصمت رجع تاني… بس المرة دي كان تقيل.
ثم صوتها اتغير: “إنت متأكد؟”
“متأكد؟” كرر الكلمة كأنه مش مصدق السؤال نفسه. “متأكد إني شوفت عينيها… متأكد إني حسيت إيدي بتترعش لما بصيتلها… متأكد إنها شبهّي لدرجة تخض.”
صوتها نزل درجة: “الناس بتشبه بعضها يا ياسين.”
قفل عينيه. “مش للدرجة دي.”
في الجهة التانية…
سهير قفلت الموبايل وهي واقفة قدام الشباك في قصر الجارحي.
أول مرة ملامحها تفلت.
مش خوف كامل… لكن قلق.
لفت بسرعة وندت على السكرتيرة: “هاتيلي ملف مايا السيوفي كامل.”
السكرتيرة اترددت: “حضرتك تقصدي الدكتورة اللي—”
قاطعتها بعصبية لأول مرة: “قلت كامل!”
في نفس الوقت…
مايا كانت في البيت.
ليلى نايمة، والغرفة هادية.
لكن مايا مش هادية.
واقفة في المطبخ، ماسكة كوباية مية، وإيديها بتترعش.
كلام ليلى طول اليوم بيرن في دماغها.
“هو بيحبك.”
“واضحة.”
“إنت شبهّي.”
حطت الكوباية على الرخامة بسرعة، كأنها مخنوقة.
وفي اللحظة دي…
رن جرس الباب.
مرة واحدة.
ثم تاني.
مايا اتجمدت.
مفيش حد بييجي هنا.
مفيش حد يعرف العنوان ده أصلًا.
قربت ببطء من الباب، قلبها بيدق.
بصت من العين السحرية.
وشه.
ياسين.
واقف.
بس المرة دي مش زي قبل.
مش راجل مريض في مستشفى.
ولا حبيب قديم.
ده كان راجل واضح في عينيه حاجة واحدة بس:
إصرار.
فتحت الباب نص فتحة.
“إنت اتجننت؟ إيه اللي جابك هنا؟”
قال بهدوء مرعب: “عايز أتكلم.”
“دلوقتي؟ الساعة ١٢ بالليل؟”
قرب خطوة من الباب: “مايا… أنا عرفت الحقيقة.”
قلبها نزل.
“حقيقة إيه؟”
عينه ما هربتش منها. “إن أمي كانت السبب.”
الصمت وقع بينهم.
الهواء اتقل.
مايا حسّت الأرض بتلف بيها.
“إنت بتقول إيه؟”
ياسين كمل بصوت أهدى: “وإني ضيّعت ٨ سنين من بنتي بسببها.”
مايا ضحكت ضحكة قصيرة مهزوزة. “وأنا مالي بالكلام ده دلوقتي؟”
قرب أكتر، صوته انكسر لأول مرة: “عشان بنتي مش هتفضل تعتبرني ميت.”
الكلمة ضربتها.
سكتت.
عينها راحت تلقائيًا ناحية جوه الشقة… ناحية الأوضة اللي فيها ليلى نايمة.
همست بخوف مكتوم: “إنت مش هتقرب منها.”
ياسين هز راسه بسرعة: “مش جاي أخدها منك.”
سكت لحظة…
وبعدين قال الجملة اللي غيرت كل حاجة:
“أنا جاي أصلح إني أبوها… حتى لو على نار.”
مايا بصتله بصمت طويل.
وبعدين قالت بصوت واطي جدًا: “وأنا مش هسمحلك تبوّظلها حياتها زي ما بوّظت حياتي.”
في اللحظة دي…
صوت صغير جوا الشقة نادى بنعاس:
“ماما… مين عند الباب؟”
مايا اتجمدت.
وياسين رفع عينه ناحية الصوت.
صوت بنته.
من جوه بيتها.
هو دلوقتي واقف على بعد خطوات من الحاجة الوحيدة اللي عاش عمره كله من غيرها…
وبيفصل بينه وبينها باب واحد بس.
الصمت اتكسر فجأة بصوت خطوات صغيرة جاية ناحية الباب من جوه.
مايا اتجمدت في مكانها.
وياسين كمان.
“ماما… مين عند الباب؟”
صوت ليلى كان لسه فيه نعاس، بس فضول واضح.
مايا حاولت تتكلم بسرعة، صوتها طالع متوتر: “مفيش حد يا حبيبتي… روحي نامي.”
لكن قبل ما ليلى ترجع…
ياسين قال بهدوء، من غير ما يحرك عينه من على مايا: “أنا مش همشي.”
الكلمة كانت بسيطة… بس تقيلة جدًا.
مايا بصتله بغضب مكبوت: “إنت بتضغط عليّا دلوقتي؟”
هز راسه. “أنا عمري ما كنت أقصد أضغط عليك… بس المرة دي مش هسيبها.”
من جوه…
ليلى قربت من الباب.
“ماما؟”
خطوتها كانت أقرب من اللازم.
مايا بسرعة مدت إيديها على الباب كأنها بتحاول تقفله من كل العالم: “ليلى، ادخلي أوضتك حالًا.”
لكن ياسين كان سامع كل حاجة.
كل نفس. كل حركة.
قال بصوت أهدى، لكن فيه رجفة: “خليها تفتح.”
مايا بصتله بصدمة: “إنت عايز إيه؟ تبوّظها؟! دي طفلة!”
“دي بنتي.”
الكلمة خرجت منه كأنه بيقولها لأول مرة لنفسه مش ليها.
الهدوء اللي حصل بعد الجملة دي كان مرعب.
حتى صوت ليلى سكت ورا الباب.
“بابا؟”
الكلمة طلعت منها عفوية… كأنها بتجربها على لسانها من غير ما تفهم معناها.
مايا عينيها وسعت.
وياسين… اتكسر.
حرفيًا.
إيده مسكت الباب قبل ما مايا تمنعه.
“افتحي… لو سمحتي.”
صوته كان مهزوز بشكل واضح.
مايا وقفت قدامه: “لو فتحت الباب دلوقتي… أنا مش هسامحك.”
بصلها.
وفي عينيه لأول مرة ضعف مش غضب.
“أنا عارف.”
وبعدين بص ناحية الباب تاني: “بس لو مش دخلت حياتها دلوقتي… عمري كله مش هيتصلح.”
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين…
مفتاح الباب اتحرك من جوه ببطء.
مايا قلبها وقع.
والباب اتفتح نص فتحة.
ليلى كانت واقفة، شعرها منكوش، وعينيها صغيرة من النوم.
بصت لياسين.
سكتت.
وبعدين بصت لماماها.
“هو ده… العيان؟”
ياسين حاول يتكلم… لكن صوته ماطلعش.
مايا قالت بسرعة: “آه… دكتور كان تعبان وجاي يكشف بس.”
ليلى هزت راسها ببراءة.
وبعدين رجعت بصت له تاني.
“إنت لسه هنا؟”
ياسين نزل على ركبة واحدة ببطء.
كأنه خايف يقف قدامها وهي صغيرة كده.
قال بصوت مكسور: “آه… لسه هنا.”
ليلى بصتله شوية.
وبعدين سألت السؤال اللي شق قلبه نصين:
“هو أنا أعرفك؟”
سكت.
لأول مرة في حياته، ياسين الجارحي ماعرفش يلاقي إجابة سهلة.
بص لمايا.
كأنها هي اللي هتنقذه أو تدمره.
مايا وقفت بينهم، صوتها واطي لكنه حاسم: “ليلى… ادخلي أوضتك.”
البنت بصتله مرة أخيرة.
وبعدين قالت: “إنت شكلك زعلان أوي.”
الجملة دي…
كانت أكتر من أي طعنة.
ياسين ابتسم ابتسامة صغيرة مكسورة: “يمكن… عشان افتكرت حاجة مهمة أوي متأخر.”
ليلى ما فهمتش، بس هزت راسها.
وبعدها دخلت بهدوء.
وقفل الباب.
مايا لفت له فورًا، صوتها نار مكتومة: “إنت كده بتلعب بيها!”
ياسين وقف ببطء، عينيه عليها وعلى الباب في نفس الوقت: “أنا مش بلعب… أنا بتعلم أكون أب لأول مرة في حياتي.”
“على حسابها؟”
سكت.
دي وجعته.
قال بعدها بصوت أخفض: “أنا مش هسيبك يا مايا… ولا هسيبها.”
مايا ضحكت بمرارة: “إنت متأخر ٨ سنين.”
قرب خطوة. “وأنا ناوي أعوض كل يوم فيهم.”
مايا بصتله طويل…
وبعدين قالت: “ولو كسرتها تاني؟”
ياسين رد من غير تفكير: “ساعتها… أكون خسرت كل حاجة فعلًا.”
الصمت نزل بينهم.
بس المرة دي… كان صمت بداية مش نهاية.
ومن جوه الشقة… صوت ليلى وهي بتكلم نفسها وهي راجعة سريرها:
“بابا…”
الكلمة كانت هادية جدًا.
بس كفاية تهز حياة كاملة بره الباب.
الصمت اللي في الشقة اتكسر بكلمة واحدة بس من جوه الأوضة.
“بابا…”
مايا اتجمدت في مكانها.
وياسين حس إن قلبه اتسحب من صدره.
مش مجرد كلمة طفلة قالتها وهي بتجربها على لسانها… دي كانت اعتراف.
حتى لو من غير وعي.
مايا بسرعة اتحركت ناحية أوضة ليلى: “نامي يا ليلى!”
لكن ياسين قال بهدوء: “سيبيها.”
مايا لفّت له بعصبية مكتومة: “إنت فاكر إن الموضوع سهل؟!”
“مش سهل.”
رد بسرعة. “بس حقيقي.”
دخلت مايا الأوضة.
ليلى كانت قاعدة في السرير، الحضن بتاع الدبدوب في إيدها، عينيها مفتوحة.
“إنتي مفروض تكوني نايمة.”
ليلى بصت لها: “أنا سمعت الصوت.”
سكتت لحظة… وبعدين قالت: “هو الراجل ده… بابا؟”
الكلمة دي خلت مايا تحس إن الأرض بتنهار تحتها.
مايا حاولت تسيطر على نفسها: “ليه بتسألي كده؟”
ليلى هزت كتفها: “مش عارفة… بس قلبي قال كده.”
الصمت كان تقيل.
مايا قعدت جنبها على السرير، صوتها واطي: “أنتي صغيرة يا ليلى على الكلام ده.”
ليلى بصت لها: “بس أنا بحس إني أعرفه.”
مايا ما قدرتش ترد.
لأن الإجابة الوحيدة كانت هتوجع أكتر من أي حاجة.
بره الأوضة…
ياسين كان واقف مكانه، ماسك نفسه بالعافية.
مايا خرجت، وقفت قدامه.
“إنت لازم تمشي.”
“مش هيمشي.”
رد بهدوء.
“دي حياتها.”
“وهي حياتي كمان.”
مايا ضحكت بوجع: “لأ. دي بنتي أنا اللي شلتها لوحدي. أنا اللي صحيت معاها كل يوم. أنا اللي خافت عليها، تعبت، وقعت وقومت.”
قرب منها خطوة: “وأنا كنت فين؟”
سكتت.
دي كانت الإجابة اللي بتكسر أي دفاع.
قال بصوت أخفض: “أنا عارف إني غلطان… بس مش هسيب بنتي تفضل تعتبرني غريب.”
مايا بصت له بحدة: “ولو دخلت حياتها بالغصب، ممكن تخسرها للأبد.”
الجملة دي وقفته.
لأول مرة.
لأنه كان خايف من ده فعلًا.
في اللحظة دي…
باب الشقة اتفتح تاني بهدوء.
ليلى خرجت وهي لابسة بيجامتها، ماسكة الدبدوب.
وقفت بين الاتنين.
بصت لمايا: “ماما… هو هيمشي؟”
وبعدين بصت لياسين: “ولا هيفضل؟”
السؤال كان بسيط جدًا.
بس الإجابة كانت أصعب من أي عملية قلب في حياته.
ياسين نزل لمستواها تاني: “لو إنتي مش عايزاني أمشي… أنا هفضل.”
مايا بسرعة: “ليلى، ادخلي أوضتك!”
لكن ليلى هزت راسها: “أنا عايزة أفهم.”
سكتت.
وبعدين قالت الجملة اللي خلت مايا وياسين يتجمدوا:
“هو أنا عندي بابا بجد؟”
الصمت وقع.
تقيل.
حقيقي.
مايا كانت هتتكلم… لكن صوتها ماطلعش.
وياسين أخد خطوة لقدام، وعيونه عليها:
“أيوه يا ليلى.”
الكلمة نزلت زي الحقيقة لأول مرة.
مايا قالت بصوت مكسور: “ياسين…”
لكن هو ما بصلهاش.
كان مركز بس مع بنته.
“أنا أبوكي.”
ليلى بصت له شوية.
ثم قالت ببراءة: “يعني إيه؟”
ياسين ابتسم ابتسامة صغيرة مليانة دموع: “يعني… إني كنت غايب، بس المفروض أكون موجود من زمان.”
ليلى فكرت.
وبعدين قالت: “إنت هتفضل معانا؟”
دي كانت اللحظة اللي اتكسرت فيها كل الحواجز.
ياسين بص لمايا.
مايا كانت واقفة، وشها أبيض، وخايفة.
خايفة مش منه… من اللي ممكن يحصل لبنتها.
لكن ليلى بصت لمامتها وقالت: “ماما… ممكن؟”
السؤال كان أصعب من الرفض.
ومايا عارفة إن أي كلمة غلط ممكن تغيّر حياة بنتها كلها.
بصت لياسين.
وبصت لليلى.
وبعدين قالت بصوت واطي جدًا: “بشروط.”
ياسين هز راسه فورًا: “أي حاجة.”
مايا قالت: “من غير لعب… من غير وعود تتكسر… ومن غير ما تدخل حياتها وتسيبها فجأة.”
سكت لحظة.
وبعدين قال: “مش هسيبها.”
وبص ناحية ليلى: “ولا هسيبكوا.”
ليلى ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا.
كأنها مش فاهمة كل اللي بيحصل… بس حاسة إن حاجة كبيرة اتغيرت.
وقالت: “يبقى خلاص… ممكن تقعد شوية.”
وفي اللحظة دي…
حياة تلاتة أشخاص بدأت تتغير من جديد.
بس المرة دي… مش بالقوة.
بالحقيقة.الهدوء اللي حصل بعد كلام ليلى ماكانش هدوء حقيقي… كان بداية حاجة جديدة تقيلة.
مايا كانت واقفة مكانها، عينيها بين بنتها وياسين، كأنها بتحاول تمنع أي حاجة تكسر اللي بنتها بقالها ٨ سنين بتبنيه لوحدها.
وياسين… كان لسه نازل لمستوى ليلى، كأنه خايف يقوم فيخسر اللحظة دي.
ليلى بصت له وقالت بعفوية: “هو إحنا بقينا عيلة؟”
الكلمة خبطت مايا في صدرها.
لكن ياسين رد قبلها، بصوت ثابت لأول مرة من ساعة ما دخل: “لو سمحتي… خليني أحاول أكون واحد منكم.”
مايا مسكت نفسها بالعافية: “محاولة؟ بعد كل اللي حصل؟”
رفع عينيه لها: “أنا مش بطلب تسامح… أنا بطلب فرصة ما أضيّعهاش تاني.”
مر أسبوع.
وبعدين اتنين.
وياسين ما اختفاش.
كان بييجي المستشفى بحجة المتابعة، ويمشي على بعد مسافة من ليلى… من غير ضغط، من غير اقتحام.
كان بيتعلم بصمت.
إزاي يسألها عن يومها من غير ما يخوفها.
إزاي يضحك معاها من غير ما يحاول يشتري حبها.
ومايا كانت بتراقب من بعيد… مش مطمنة، لكن مش قادرة تمنع.
في يوم…
ليلى كانت في حديقة صغيرة جنب البيت.
ياسين قاعد على كرسي بعيد شوية، سايبها تلعب مع الأطفال.
فجأة وقعت.
وقعة بسيطة… ركبتها اتخبطت.
مايا كانت لسه مش موجودة.
ياسين قام تلقائيًا بسرعة، جري عليها.
لكن وقف نص خطوة.
افتكر الشرط.
“من غير تدخل فجأة.”
نزل على ركبته من بعيد وقال: “إنتي كويسة؟”
ليلى دمعت: “وجعتني.”
مد إيده بمنديل: “تحبي أساعدك؟ ولا تحبي ماما؟”
سكتت لحظة.
وبعدين قالت: “إنت.”
الكلمة كانت بسيطة… لكن عنده كانت زلزال.
في الليل…
مايا فتحت باب أوضة ليلى لقيتها نايمة، وإيدها ماسكة إيد ياسين.
مايا ما قالتش حاجة.
بس وقفت.
تتفرج.
وبعدين خرجت بهدوء.
ولأول مرة… ما كانتش خايفة.
كانت بس مرهقة.
بعد شهور…
في المستشفى، حالة طوارئ جات في نص الليل.
مايا كانت في العمليات.
وياسين كان موجود صدفة.
اتصاب مريض خطير، والدكاترة محتاجين نقل دم عاجل.
فصيلة نادرة.
نفس فصيلة ياسين.
من غير تردد، دخل.
“أنا متبرع.”
مايا بصتله بسرعة: “إنت متأكد؟”
رد بهدوء: “لو ده هينقذ حياة… يبقى أكيد.”
بعد العملية…
المريض استقر.
ومايا خرجت من أوضة العمليات، لقت ياسين قاعد في الكرسي مرهق، بس راضي.
قربت منه.
“ليه عملت كده؟”
بصلها وقال: “يمكن لأول مرة في حياتي… عملت حاجة صح من غير ما أفكر في نفسي.”
سكت لحظة.
وبعدين قال: “أنا ماستاهلش ليلى… بس بحاول أبقى أستاهلها.”
مايا ما ردتش.
بس عينيها كانت أهدى من أي وقت فات.
بعد سنة.
في نفس المستشفى…
ليلى كانت ماشية في الطرقة، ماسكة إيد مايا، وإيد تانية ماسكة إيد ياسين.
مفيش صراع.
مفيش حرب.
بس تاريخ طويل بيتصلح ببطء.
وصلوا قدام أوضة الكشف.
ليلى بصت لهم: “أنا كبرت؟”
مايا ابتسمت: “شوية.”
ياسين ضحك: “لسه قدامك حاجات كتير.”
ليلى بصت بينهم: “إنتوا اتجوزتوا تاني؟”
مايا كحّت بخفة: “إيه؟ لا طبعًا!”
ياسين ابتسم: “لسه بنحاول نبقى عيلة بس.”
ليلى هزت راسها بجدية طفولية: “تمام… بس المرة دي بلاش زعل.”
وبعدها دخلت تجري جوه.
مايا بصت لياسين.
سكتوا ثواني.
وبعدين قالت: “لسه الطريق طويل.”
قال بهدوء: “بس المرة دي… ماشيين فيه سوا.”
وفي آخر لقطة…
كانوا واقفين قدام باب مفتوح.
مش لأن كل حاجة اتصلحت.
لكن لأن لأول مرة… محدش بيهرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *