مراتي استحملت حكايات بسمه

مراتي استحملت إني أقعد سنتين من غير شغل وما اشتكتش يوم… لكن أول شهر تعبت فيه وما قدرتش تنزل شغلها، قلت إنها بقت حمل عليا. سكتت وقتها وما ردتش… وبعد أسابيع عرفت حاجة خلتني أكره نفسي.

اسمي كريم.

وعندي 39 سنة.

ولو في لحظة واحدة في حياتي أتمنى أمسحها…

فهتكون اللحظة اللي بصيت فيها لمراتي وجرحتها بالكلمة دي.

قبلها بسنتين…

أنا اللي خسړت شغلي.

وفجأة بقيت قاعد في البيت.

لا مرتب.

ولا دخل ثابت.

ولا حتى أمل قريب.

ووقتها…

مراتي ما قالتش كلمة.

بالعكس.

كانت بتصحى كل يوم تنزل شغلها.

وترجع تعبانة.

وتصرف على البيت.

وعلى الإيجار.

وعلى المدارس.

وعليا أنا كمان.

ولما كنت أحس بالإحراج…

كانت تمسك إيدي وتقول:

“إحنا فريق واحد… النهارده أنا، وبكرة إنت.”

سنتين كاملين.

ما عايرتنيش.

ولا كسرت بخاطري.

ولا خلتني أحس إني أقل منها.

ولما ربنا كرمني أخيرًا واشتغلت من جديد…

افتكرت إني رجعت قوي.

لكن الحقيقة…

إني كنت رجعت متكبر.

بعد كام شهر من شغلي الجديد…

مراتي بدأت تتعب.

في الأول افتكرنا إرهاق عادي.

لكن التعب زاد.

وبقت تغيب عن شغلها كتير.

لحد ما اضطرت تقعد في البيت فترة.

وفي يوم رجعت من الشغل متضايق.

ولقيتها نايمة من التعب.

والبيت مش مترتب زي كل مرة.

فاڼفجرت فيها.

وقلت كلام عمري ما هنساه.

قلت:

“أنا مش هفضل شايل البيت لوحدي… إنتِ كده بقيتي حمل عليا.”

الكلمة خرجت.

لكن أثرها فضل.

مراتي بصتلي وقتها.

بصة هادية جدًا.

بصة وجعتني أكتر من أي صړيخ.

وما ردتش.

ولا حتى دافعت عن نفسها.

متابعة القراءة
صفحة
1
/ 2
انت في الصفحة 2 من صفحتين

بس قامت ودخلت الأوضة وقفلت الباب.

ومن يومها…

في حاجة اتكسرت بينا.

وأنا كنت فاكر إنها زعلانة وهتنسى.

لكن بعد أسابيع قليلة…

الدكتور طلب مني أروح معاها المستشفى.

ولما دخلنا المكتب…

قال جملة خلت الدنيا تلف بيا:

“لو كانت مدام هناء استمرت تنزل شغل بالشكل ده، كان ممكن حالتها تبقى أخطر بكتير.”

بصيتله بعدم فهم.

ففتح ملف التحاليل.

وقال:

“هي كانت مخبية عنكم من شهور… وكانت بتستحمل الألم عشان ما تحملش حد فوق طاقته.”

ساعتها…

بصيت لمراتي.

ولقيتها مطأطية راسها وساكتة.

ونظرتها كانت بتقول حاجة واحدة:

إن الإنسانة اللي وقفت جنبي سنتين كاملين…

أنا ما استحملتش أقف جنبها شهر واحد بس.

لكن الصدمة الحقيقية…

كانت لما عرفت السر اللي كانت مخبياه عني طول الفترة دي كله
بسمه
الدكتور كمل كلامه، وعيونه كانت مليانة إشفاق: “مدام هناء عندها خلل في وظائف الكلى، ومحتاجة راحة تامة وعلاج مكثف عشان نتجنب الفشل الكلوي.. الحالة دي مش وليدة اللحظة، دي بقالها أكتر من سنة، وكانت بتضغط على نفسها عشان توفر مصاريف البيت وعلاجكم ومصاريف الولاد.”
وقعت الكلمة على قلبي زي الړصاص. بصيت لهناء، لقيتها بټعيط بصمت. سنتين كاملين وأنا “حمل” عليها وهي بتتحمل الألم عشان ما تكسرنيش، وعشان تحسسني إني لسه “راجل البيت”.. وأنا في أول اختبار حقيقي ليا، اتخليت عنها ووصفتها بـ “الحمل”!
خرجنا من المستشفى، وركبنا العربية. الطريق كله كان سكوت قاټل. حاولت أفتح كلام، أعتذر، أقول أي حاجة، بس الكلمات كانت بټموت في حلقي. وصلت البيت، دخلت الأوضة، ولقيت على الكومودينو “ظرف” مفتوح.
فتحت الظرف، لقيت فيه “تقرير طبي” قديم، وتاني “كشف حساب” للبنك.
التقرير الطبي كان بتاريخ “من سنة”، يعني من أيام ما كنت أنا لسه قاعد في البيت من غير شغل! هي كانت عارفة بمرضها من وقتها، ومخبية عني عشان ما أزيدش همّ فوق همّي.. ولقيت ورقة تانية، كانت “قرض” هي أخدته بضمان “دهبها” عشان تسدد ديون كان عليا وأنا مش عارف، عشان ما يترفعش عليا قضايا وأنا في فترة عطالتي.
اڼهارت أعصابي، قعدت على الأرض قدامها، مسكت إيديها وبدأت أقبلها وأنا پصرخ: “هناء.. سامحيني.. أنا كنت أعمى، كنت أناني.. أنا اللي حمل عليكي، أنا اللي كنت عبء على روحك الطاهرة دي!”
بصتلي هناء بصوت ضعيف جداً، وقالت جملة كسرت ضلوعي: “يا كريم، أنا ما كنتش مستنية منك فلوس ولا شغل.. كنت مستنية منك ‘سند’.. لما تعبت، عرفت إنك مش بس ما بتسندش، إنت كنت بتدور على حد يريحك، مش حد يشيل معاك.”
من اللحظة دي، بدأت رحلة “التكفير” عن ذنبي.
بعت كل حاجة أملكها، بعت عربيتي، حتى الحاجات الشخصية اللي كنت بعتز بيها، عشان أوفر مصاريف علاجها في أحسن مكان. أخدت إجازة طويلة من شغلي، وبقيت أنا اللي بعمل كل حاجة.. أنا اللي بنضف البيت، أنا اللي بذاكر للولاد، أنا اللي بغير لها محاليلها، وأنا اللي بساعدها في أبسط تفاصيل يومها.
بقيت بقوم الفجر، مش عشان أنزل الشغل، بس عشان أشوفها نامت ولا لأ، وأطمن إنها مش بتتألم. بقيت “خادم” في بيتي، وبكل فخر، لأني عرفت إن دي أقل حاجة أقدمها لواحدة دفعت تمن حياتها عشان أنا أفضل واقف على رجلي.
بعد شهور طويلة، بدأت صحتها تتحسن. وفي يوم، وأنا قاعد جنبها بنقرأ سوا، مسكت إيدي وقالت: “يا كريم، أنا شفتك وأنت بتعمل كل ده.. شفتك وأنت بتغير حالك عشاني. أنا مش مسامحاك على الۏجع، بس أنا مسامحاك على ‘الإنسان’ اللي بقيت عليه دلوقتي.”
**الدرس اللي اتعلمته: إن الست اللي بتشيلك وقت ضعفك، هي “روحك”، ولو كسرتها وقت ضعفها، فأنت بتكسر روحك أنت. والحب الحقيقي مش في الكلام وقت الرخاء، الحب الحقيقي هو “الخدمة” والټضحية وقت الشدة.**
**تمت.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *